بقلم/ د. أسامة هاشم الحديدي مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
أرست الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ أخلاقيَّاتٍ دينيَّةً وقيمًا إنسانيَّةً تضبطُ سلوكَ الإنسانِ وتصرُّفاتِه، سواءٌ أكان ذلك بينه وبين خالقِهِ تعالى، أم مع نفسِهِ، أم مع غيرِهِ من البشرِ. ومن هذه القيمِ العظيمةِ: الاعتدالُ؛ بوصفِهِ فضيلةً وقيمةً وخُلُقًا.
فالاعتدالُ هو ذلك الميزانُ الدَّقيقُ الذي يصنعُ التَّوازنَ بين الإفراطِ والتَّفريطِ؛ فالإفراطُ يعني التَّشدُّدَ والغلوَّ، والتَّفريطُ يعني عدمَ الالتزامِ أو التَّقصيرَ، وكلا الأمرينِ لا يصلحانِ، ولا تستقيمُ بهما، أو بأحدِهما، الحياةُ، فالاعتدالُ هو التوسُّطُ بين الأمرينِ، وقد كانت أهمُّ سِمَةٍ من سماتِ هذه الأمَّةِ التي ميَّزها اللهُ تعالى بها عن غيرِها من الأممِ هي التوسُّطُ والاعتدالُ، بل جعلَهُ اللهُ تعالى فضلًا منه ومنَّةً عليها، فقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 143].
فنالت الأمَّةُ الإسلاميَّةُ ذلك الفضلَ العظيمَ والمقامَ الكريمَ بكونِها أمَّةً وسطًا عدلًا معتدلةً، وبهذا الاعتدالِ نالت أن تكونَ شاهدةً على سائرِ الأممِ يومَ القيامة.
والاعتدالُ يضبطُ العلاقةَ بين العبدِ وربِّهِ؛ فاللهُ تعالى فرضَ على العبادِ أوامرَ وطاعاتٍ، ويكفيهم أن يلتزموا بها، فلا يشقُّوا على أنفسِهم، ولا يتحمَّلوا ما لا تطيقُهُ أجسامُهم؛ إذ لا يكلِّفُ اللهُ نفسًا إلا وُسعَها. وهذا ما وردَ في قولِ اللهِ تعالى في الحديثِ القدسيِّ: «ما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُهُ عليه...» (البخاري: 6502).
فيكتفي العبدُ بأداءِ ما افترضَهُ اللهُ تعالى عليه، دونَ غلوٍّ أو مشقَّةٍ على النَّفسِ، أو ابتداعٍ في العبادةِ، فيصيبُ في عبادتِهِ وينالُ قبولَها من اللهِ تعالى. وقد لامَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ النَّفرَ الذين شدَّدوا على أنفسِهم في أمورِ الدِّينِ والدُّنيا، فكان ردُّهُ عليهم: «إنِّي لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكنِّي أصومُ وأفطرُ، وأُصلِّي وأرقدُ، وأتزوَّجُ النِّساءَ، فمن رغبَ عن سُنَّتي فليس منِّي» (البخاري: 5063).
أمَّا اعتدالُ الإنسانِ مع نفسِهِ في الأمورِ الحياتيَّةِ، فهو أمرٌ ضروريٌّ ومقصدٌ شرعيٌّ؛ فواجبٌ على الإنسانِ أن يعتدلَ في مطعمِهِ ومشربِهِ، فلا يبالغَ في واحدٍ من هذه الأمورِ؛ حتَّى لا يمرضَ جسدُهُ أو تتضرَّرَ حياتُهُ، وهذا ما قصدَ إليهِ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حديثِهِ: «ما ملأَ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِهِ، بحسبِ ابنِ آدمَ أكلاتٌ يُقِمْنَ صلبَهُ، فإن كان لا محالةَ، فثُلثٌ لطعامِهِ، وثُلثٌ لشرابِهِ، وثُلثٌ لنفسِهِ» (الترمذي: 2380).
كما ذكرَ اللهُ تعالى الاعتدالَ في القرآنِ الكريمِ، وجعلَهُ صفةً من صفاتِ عبادِ الرحمنِ، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]. فهم معتدلونَ في إنفاقِهم، لا يُسرِفونَ ولا يبخلونَ، وإذا فعلوا ذلك لم تُصِبْهُم، بإذنِ اللهِ تعالى، مشقَّةٌ، ولم يكونوا عالةً على أحدٍ، كما جاء في حديثِ النَّبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «ما عالَ من اقتصدَ» (رواهُ الطبرانيُّ في المعجم الأوسط: 6627).
ومن صورِ اعتدالِ المرءِ مع نفسِهِ أن يكونَ معتدلًا في تفكيرِهِ وسلوكِهِ، فلا يبالغ في انفعالاتِهِ أو إظهارِ مشاعرِهِ، سواءٌ في حالِ غضبِهِ أم سكونِهِ، وكذلك لا يتعصَّبُ لرأيٍ أو رؤيةٍ فيقعُ في الغلوِّ والتطرُّفِ، ورحمَ اللهُ الفقهاءَ الكرامَ إذ قالوا: «رأيِي صوابٌ يحتملُ الخطأَ، ورأيُ غيري خطأٌ يحتملُ الصوابَ».
جعلنا اللهُ من المعتدلينَ المُقسطينَ.



