الحج رحلة القلوبِ والأبدان

د. أسامة هاشم الحديدي
د. أسامة هاشم الحديدي

بقلم/ د. أسامة هاشم الحديدي

الحجُّ هو الاجتماعُ العامُّ السنويُّ الأكبرُ للمسلمين، بل هو الأكبرُ على الإطلاقِ في الدنيا؛ حيثُ تتلاشى فيهِ الفوارقُ، فهو ليسَ مجردَ رحلةٍ يتكبَّدُ فيها المسلمُ التعبَ والمشاقَّ والمالَ، بل إنَّهُ عبورٌ للخلاصِ من أثقالِ الذنوبِ والآثامِ وأكدارِ السنينَ، وعليهِ، فإنَّ حركاتِ الجسدِ تتناغمُ فيهِ مع نبضِ الإيمانِ ليُسطِّرا معًا طريقًا لغفرانِ الذنوبِ والخطايا التي علقت بالمسلمِ طيلةَ حياتهِ، فلقد روى أبو هريرة رضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: سمعتُ النبيَّ محمد صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ يقولُ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».  

اقرأ أيضًا: الإنفاقُ فى سبيلِ اللهِ وأثرُه فى تزكيةِ النفوسِ وبناءِ المجتمعِ

وتبدأُ هذهِ الرحلةُ منذُ لحظةِ أن ينويَ الإنسانُ شدَّ رحالهِ إلى البيتِ الحرامِ، تاركًا أهلَهُ ومالَهُ وديارَهُ، خالعًا المخيطَ، ومتجردًا من كلِّ ما يشابهُ ثيابَ أهلِ الدنيا، ومتحرِّرًا من أيِّ فوارقَ في المظهرِ والملبسِ؛ إذ يختفي الغنيُّ والفقيرُ والنسيبُ وغيرُهُم، فيظهرُ الجميعُ بثيابٍ واحدةٍ، وقبلةٍ واحدةٍ، في شعيرةٍ واحدةٍ، ومناسكَ واحدةٍ، وتلبيةٍ واحدةٍ، وزمانٍ واحدٍ، ومكانٍ واحدٍ، وكلُّ هذا وهم متَّجهونَ لربٍّ واحدٍ، سبحانَهُ من إلهٍ واحدٍ، وهذا التوحدُ في المظهرِ هو من أعظمِ تجلياتِ المساواةِ الإنسانيَّة. 

إنَّها رحلةٌ يطوفُ المسلمُ فيها حولَ البيتِ سبعًا، ويسعى سبعًا، ويقفُ بعرفاتِ اللهِ تعالى، ويذبحُ هديَهُ خالصًا للهِ تعالى، ويرمي جمراته لِيُصوِّرَ الشيطانَ في صورتِهِ الحقيقيَّةِ المُحقَّرةِ؛ حتى إذا ما عادَ، تذكَّرَ الحقيقةَ التي رآها بعينهِ وأرهقَ جسدهُ فيها، فتقفُ حائلًا منيعًا بينهُ وبينَ أيِّ معصيةٍ أمامَه. 

وهي كذلك رحلةٌ تخطو فيها الأقدامُ في نفسِ الأماكنِ التي خطى عليها أعظمُ وأفضلُ خلقِ اللهِ تعالى رسولُنا الكريمُ محمد صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ، وصحابتُهُ الكرامُ رضيَ اللهُ عنهُم وهي كذلك رحلةٌ تخطو فيها الأقدامُ في نفسِ الأماكنِ التي خطى عليها أعظمُ وأفضلُ خلقِ اللهِ تعالى رسولُنا الكريمُ محمد صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ، وصحابتُهُ الكرامُ رضيَ اللهُ عنهُم إنَّها رحلةُ استسلامٍ للهِ تعالى؛ حيثُ في عرفاتِ اللهِ تعالى، تتوقفُ لغةُ الكلامِ وتبدأُ لغةُ الدموعِ، وهناك ترحلُ القلوبُ في مناجاةٍ خالصةٍ للهِ تعالى، في رحلةٍ يدركُ فيها المسلمُ أنَّ الزادَ الحقيقيَّ هو تقوى اللهِ تعالى، قالَ تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ «البقرة: ١٩٧». 

وختامًا، فإنَّ هذهِ الرحلةَ ليستِ العبرةُ فيها لِمَنْ عادَ إلى ديارهِ وقد طافَ وسعى، ووقفَ ورمى، والتقطَ الصورَ بجوارِ هذا أو ذاكَ، بل إنَّ العبرةَ فيها لِمَنْ عادَ بقلبٍ غيرِ الذي ذهبَ بهِ، لِمَنْ عادَ بقلبٍ سليمٍ؛ إنَّها أكبرُ فرصةٍ للإنسانِ ليعبرَ اختبارَ الدنيا وملذاتِها وزينتِها الفانيةِ، ويعودَ لربٍّ كريمٍ رحمنٍ.