بقلم: د. أسامة هاشم الحديدي
مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
يُعَدُّ الإنفاقُ فى سبيلِ اللهِ من أعظمِ القِيَمِ التي جاءَ بها الإسلامُ؛ إذ به تتحقَّقُ معاني الرحمةِ والتكافلِ والتعاونِ بين الناسِ، وتسمو النفوسُ بالبذلِ والعطاءِ، بعيدًا عن الشُّحِّ والأنانيَّةِ. وقد رغَّبَ القرآنُ الكريمُ فى الإنفاقِ ترغيبًا عظيمًا، وربطَ بينه وبين صفاءِ الإيمانِ، وحُسنِ الجزاءِ فى الدنيا والآخرةِ؛ لأنَّ المالَ إذا وُجِّه إلى وجوهِ الخيرِ صار سببًا فى عمارةِ الأرضِ، وإغاثةِ المحتاجِ، وجبرِ خواطرِ الضعفاءِ، ونشرِ المودَّةِ بين أبناءِ المجتمعِ. ومن الآياتِ الجامعةِ فى بيانِ فضلِ المنفقينَ، وعظيمِ منزلتِهم عند اللهِ تعالى، قولُه سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 274].
اقرأ أيضا| لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
ففى هذه الآيةِ الكريمةِ يُوضِّحُ لنا اللهُ – تباركَ وتعالى – منهجًا يعكسُ واحدةً من أفضلِ حالاتِ المسارعةِ إلى أعمالِ الخير، وهم الذين يُنفقون أموالَهم فى جميعِ وجوهِ الخير؛ من مساعدةِ السائلين من الفقراءِ والمحتاجين، وصورِ التعاونِ على البرِّ والتقوى، من بناءِ المساجدِ وإعمارِها، والمعاهدِ، ودورِ الاستشفاءِ، وجبرِ خاطرِ اليتيمِ ومساعدتِه، وقضاءِ حاجاتِه الماديَّةِ، وإطعامِ الطعامِ، وسُقيا الماءِ، وغيرِ ذلك من صورِ الإنفاقِ وبذلِ المالِ فى سبيلِ اللهِ وابتغاءِ مرضاتِه تعالى، ليلًا ونهارًا، سرًّا وعلانيةً.
فهؤلاءِ لا ينتظرون مناسبةً معيَّنةً، ولا أيَّ ظرفٍ من الظروفِ للإنفاقِ فى وجوهِ الخير، بل هم فى عطاءٍ مستمرٍّ، لهم أجرُهم عند ربِّهم، ولا خوفٌ عليهم فيما يستقبلونَه من أمرِ الآخرةِ، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظِ الدنيا. وذلك لأنَّ منهجَهم فى الإنفاقِ منهجٌ قويمٌ؛ فهم يُنفقون سرًّا لحفظِ كرامةِ الفقراءِ والمحتاجين، ويُنفقون علانيةً لتشجيعِ الآخرين، وليصيروا قدوةً حسنةً لغيرِهم، فيقتفى الناسُ أثرَهم.
وهو شعورٌ كريمٌ صادرٌ من نفوسٍ كريمةٍ؛ فإذا خافتْ على شعورِ الفقيرِ أسرَّتْ، وإذا أرادتْ تثبيتَ سُنَّةٍ حسنةٍ أعلنتْ، وفى كلتا الحالتينِ يكونُ الباعثُ واحدًا، وهو ابتغاءُ وجهِ اللهِ تعالى.
والتشريعُ الإلهيُّ الحكيمُ هو منهجٌ سديدٌ فى الإنفاقِ؛ لما فيه من سدِّ حاجةِ الفقراءِ فى كرامةٍ وعزَّةٍ، وتطهيرِ مالِ الأغنياءِ، وتحقيقِ التعاونِ على البرِّ والتقوى، والتكافلِ بين أبناءِ المجتمعِ؛ ابتغاءَ وجهِ اللهِ برضًا تامٍّ دونَ قهرٍ أو إجبارٍ.
ويدخلُ – أيضًا – فى صورِ هذه النفقاتِ التي تدخلُ فى هذا الأجرِ النفقةُ على الأهلِ. وقد ثبتَ فى الصحيحينِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لسعدِ بنِ أبي وقاصٍ – حين عادَه مريضًا عامَ الفتحِ، وفى روايةٍ: عامَ حجَّةِ الوداعِ –: »وإنَّكَ لن تُنفقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللهِ إلَّا ازددتَ بها درجةً ورفعةً، حتَّى ما تجعلُ فى فِي امرأتِكَ».
وقال الإمامُ أحمدُ: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن عديِّ بنِ ثابتٍ، قال: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ يزيدَ الأنصاريَّ يُحدِّثُ عن أبي مسعودٍ – رضي اللهُ عنه – عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: »إنَّ المسلمَ إذا أنفقَ على أهلِه نفقةً يحتسبُها كانتْ له صدقةً». [أخرجاه من حديثِ شعبة].
وفى سببِ نزولِ هذه الآيةِ المباركةِ، رُوي عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ – رضي اللهُ عنهما – قال: نزلتْ هذه الآيةُ فى سيِّدِنا الإمامِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ – رضي اللهُ عنه، وكرَّم وجهَه – حيثُ كانتْ عنده أربعةُ دراهمَ لا يملكُ غيرَها، فتصدَّق بدرهمٍ ليلًا، وبدرهمٍ نهارًا، وبدرهمٍ سرًّا، وبدرهمٍ علانيةً.
فهؤلاءِ الذين يُقدِّمون صدقاتِهم فى كلِّ الأزمانِ والأحوالِ، على المحتاجينَ وكلِّ صاحبِ عَوَزٍ، فى جميعِ أوقاتِ الليلِ والنهارِ، والغدوِّ والآصالِ، والسِّرِّ والعلانيةِ، خصَّهم اللهُ تعالى بثوابٍ عظيمٍ؛ لقوَّةِ إيمانِهم، وصفاءِ نفوسِهم، وحرصِهم الشديدِ على كلِّ ما يُرضي اللهَ ربَّهم.
وقد بيَّن اللهُ – تعالى – فى ثلاثِ عباراتٍ من هذه الآيةِ الكريمةِ حسنَ عاقبتِهم، وعظيمَ ثوابِهم، فقال فى العبارةِ الأولى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، أي: فلهم أجرُهم الجزيلُ من خالقِهم ورازقِهم.
وقال فى الجملة الثانيةِ: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، أي: لا خوفَ عليهم من أيِّ عذابٍ؛ لأنَّهم فى مأمنٍ عند اللهِ بسببِ ما قدَّموه.
وقال فى الجملة الثالثةِ: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أي: لا يُصيبُهم ما يؤدِّي بهم إلى الحزنِ والهمِّ والغمِّ؛ لأنَّهم دائمًا فى اطمئنانٍ، تُدفعُ عنهم الهمومُ والأحزانُ بهذا الصنيعِ الطيِّبِ.
وصفوةُ القولِ أنَّ الإنفاقَ فى سبيلِ اللهِ تجارةٌ لن تبورَ، وعملٌ طيِّبٌ مبرورٌ، يعقبُه الثوابُ من الربِّ الغفورِ. ويصيرُ المجتمعُ الذي يقومُ على هذا المنهجِ مجتمعًا مُحصَّنًا من الحسدِ والأحقادِ.
فيا له من سموٍّ فى المقصدِ، وعظمةٍ فى الأثرِ.



