الحق المبين

لماذا تخاصم جماعات التطرف مصر؟

د. أسامة الأزهرى
د. أسامة الأزهرى

بقلم: د. أسامة الأزهرى - وزير الأوقاف

فى زمنٍ تتشابك فيه المفاهيم، وتتداخل فيه الأصوات بين الحق والباطل، جاء مشروع «الحق المبين»؛ الذي تم من خلاله تحويل كتاب «الحق المبين فى الرد على من تلاعب بالدين» إلى مقالات يتم نشرها تباعًا بجريدة «اللواء الإسلامى» الغراء؛ ولم يكن الدافع من ورائها رغبةٌ فى الجدل أو الدخول فى سجالات فكرية، بل كان ذلك قيامًا بواجبٍ دينيٍّ ووطنيٍّ موزونٍ بميزان العلم، ومعروضٍ على موازين الحكمة، والمنطق، والفكر الرصين؛ ليكون منارةً لتصحيح المسار، وحائطَ صدٍّ أمام تيارات التطرف التي عبثت بالنصوص الشرعية، وشوَّهت صورة الدين، وأساءت إلى قيمه العليا.

 

إنَّ جماعاتِ التطرفِ والإرهابِ لها على مصر- على وجه الخصوص - تهجُّمٌ زائد، ومصرُ تُمثِّل عندهم عُقدةً، وتمثِّل عندهم تحدِّيًا، وتمثِّل عندهم إشكاليةً؛ فإذا انجرف أحدُهم إلى تيارات التطرف، فإنه يبدأ مباشرةً بتسديد سهامه إلى مصر، ووصفها بأنها ديار كفر، ووصفها بأنها بلد الطاغوت، ويُوجِّه سهام العداء إلى أرض مصر على وجه الخصوص، كما نرى من عددٍ كبير من تيارات التطرف التي تستهدف مصر تحديدًا؛ فترتكب بذلك خطيئتين: الخطيئة الأولى: نكرانُ قضية الأوطان، والتنصُّل من معاني الانتماء إليها، وتقزيمها، وتشويهها، والتهجُّم عليها.

اقرأ أيضا| مكانة مصر فى القرآن الكريم (١)
 

أما الجرم الثاني، أو الإشكال الثاني، فهو أنه يأتي إلى مصر خصوصًا، فىتجاهل خصوصيتها من بين الأوطان، ويُخصِّصها بمزيدٍ من العداء.

وقد استعرضنا قبل ذلك كلام «رفاعي أحمد طه» فى كتابه: "إماطة اللثام عن بعض أحكام ذروة سنام الإسلام"، إلى أن أتينا بكلامه فى إحدى صفحات الكتاب: «ومصر الآن ديار كفر، يسري عليها ما يسري على غيرها».

وأحد كبار المفتين عند التيار السلفى – ولا أريد التصريح باسمه – له فتاوى مطبوعة فى أربعة عشر مجلدًا، يُسأل فىها عن مصر، فىقول: «ديار كفر، وديار قتال، وديار حرب»، فىُصِرُّ على أن يبدأ منظومته الفكرية بالتكفير،، ويحاول أن يُسوِّغ لأتباعه حمل السلاح، وممارسة الإرهاب والعنف.

إن سريان وصف الكفر على الناس سيصطدم حتمًا بأن مصر من بين البلاد التي لا يمكن أبدًا أن تكون بلاد كفر؛ فمصر، خطت عليها أقدام الأنبياء، وآوى إليها أنبياء عظام، وقاموا بتدبير أمورها فى أوقات الأزمات والمجاعة.

ومصر التي ارتبطت – حتى فى سجلات ودواوين قدماء المصريين، وفى «كتاب الموتى» – بمعاني الغيب، واليقين بالبعث بعد الموت، والتصور العميق للحساب والجزاء بين يدي الله.

هذه البلاد ارتبطت بالإيمان، وارتبطت بالسماء، وارتبطت بالغيب، وارتبطت بالدين ارتباطًا وثيقًا؛ ولذلك فإن وصفها ببلد الكفر – على وجه الخصوص – يحتاج إلى جهدٍ بالغ فى محاولة إقناع الأتباع بهذا التصور، وهو ما يمثل تحدِّيًا واستفزازًا بالنسبة لهم.

وحينما نبدأ فى استقراء كلام العلماء، ونرى من خلاله كيف تعامل القرآن مع أرض مصر، نجد أن لمصر – من بين بقية بلاد الدنيا – مكانةً خاصة. وسوف نبحر مع كلام أهل العلم فى هذا الباب؛ لنتبين أن لمصر عند الله – جل جلاله – وفى محكم كتابه، وفى وحيه الشريف إلى نبيه الكريم، مكانةً وخصوصية، وأنه ينبغي لكل مسلم أن يُكِنَّ لمصر من الاحترام بقدر ما أسبغه عليها القرآن الكريم والهدي النبوي الشريف.

ويقول بعض المؤرخين: إن مصر سُمِّيَت باسم «مصرايم بن نوح»، هكذا يذكر بعض مؤرخي الإسلام ويتناقله الرواة، ويذكرون أنها من أوائل البلاد التي انحسر عنها طوفان نوح – عليه السلام – وأنها عُمِرَت سريعًا، وأنها حظيت عبر تاريخ البشرية بظواهر لافتة ومدهشة.

وقد اخترت كتابًا من الكتب، هو: ﴿حسن المحاضرة فى تاريخ مصر والقاهرة﴾ للإمام الحافظ الكبير جلال الدين السيوطي – رحمه الله – أحد أعلام الديار المصرية، ومن كبار العلماء الموسوعيين. ففى الصفحة رقم (5) يقول: «ذِكر المواضع التي وقع فىها ذكر مصر فى القرآن الكريم صريحًا أو كناية». وأول ما بدأ به قوله: «ذُكرت مصر فى القرآن الكريم فى ثمانية وعشرين موضعًا، قلتُ: بل أكثر من ثلاثين». ثم بدأ يُعدِّد الآيات التي وردت فىها الإشارة إلى مصر تصريحًا أو تلميحًا.

قال: قال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾، وقرئ: ﴿اهبطوا مصرَ﴾ بلا تنوين؛ فعلى هذا تكون هي مصر المعروفة قطعًا، وعلى قراءة التنوين يُحمَل ذلك على الصرف اعتبارًا بالمكان، كما هو المقرر فى العربية فى أسماء البلدان. وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، وقال تعالى حكايةً عن يوسف – عليه الصلاة والسلام –: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، وقال تعالى حكايةً عن فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ﴾، وقال تعالى: 
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، وأُخرج عن السدي أن المدينة فى هذه الآيات هي «منف»، وكان فرعون بها.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾، وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فى الآية قال: هي مصر، وقال: «ليس الرُّبى إلا بمصر، والماء حين يُرسل تكون الرُّبى عليها القرى، ولولا الرُّبى لغرقت القرى». وأخرج ابن المنذر عن وهب بن منبه فى قوله: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: مصر.
فالله هنا يتكلم عن المأوى الذي آوى عيسى ابنَ مريم وأمه الصدِّيقة مريم – عليها السلام –؛ أي مكانٌ مبارك اختاره الله مأوًى لنبيه وكلمته، ولأمه الصدِّيقة الجليلة.
وأخرج ابن عساكر فى "تاريخ دمشق"، من طريق جويبر، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس: أن عيسى كان يرى العجائب فى صباه إلهامًا من الله، ففشا ذلك بين اليهود، وترعرع عيسى، فهمَّت به بنو إسرائيل، فخافت أمه عليه، فأوحى الله إليها أن تنطلق به إلى أرض مصر؛ فذلك قوله تعالى: 
﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾، قال: يعني مصر.
وابن عباس – رضي الله عنهما – الصحابي الجليل، حبر الأمة وترجمان القرآن، الذي عاش فى مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والطائف، ولعله لم يدخل مصر فى حياته، لكنه فهم من الآية – والمتوارث المنقول عنده – أن الربوة ذات القرار والمعين هي مصر. وانظر إلى عذوبة الوصف القرآني: 
﴿آوَيْنَاهُمَا﴾ بنون العظمة، ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ﴾؛ أي مستقرٍّ ومأمن، ﴿وَمَعِينٍ﴾؛ سياق يحمل التفخيم والتبجيل. ولم تُذكر الكلمة صريحة، لكن أطبق المفسرون على أنها مصر.
وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم فى قوله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: هي الإسكندرية؛ أي ليس القطر المصري عمومًا، وهذا قولٌ يستحق التوقف عنده عند دراسة مسار العائلة المقدسة، الذي يعتني به الإخوة المسيحيون فى مصر، ونحن جميعًا نعتبره ميراثًا وطنيًّا وإنسانيًّا، ونعتز بعيسى نبينا الكريم – عليه الصلاة والسلام.
وقال تعالى حكايةً عن يوسف – عليه الصلاة والسلام –: 
﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ﴾، وأخرج ابن جرير عن ابن زيد فى الآية قال: كان لفرعون خزائن كثيرة بأرض مصر، فأسلم سلطانه إليه. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأَرْضِ﴾، وأخرج ابن جرير عن السدي فى الآية قال: استعمله الملك على مصر، وكان صاحب أمرها. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾.
ثم قال الإمام السيوطي بعد ذلك: «المراد بالأرض فى هذه الآيات كلها مصر». هذه نبذة، وما زال السياق أوسع.
البقية فى المقال القادم