بقلم: د. أسامة الأزهرى
وزير الأوقاف
فى زمنٍ تتشابك فيه المفاهيم، وتتداخل فيه الأصوات بين الحق والباطل، جاء مشروع »الحق المبين»؛ الذي تم من خلاله تحويل كتاب »الحق المبين فى الرد على من تلاعب بالدين» إلى مقالات يتم نشرها تباعًا بجريدة »اللواء الإسلامى» الغراء؛ ولم يكن الدافع من ورائها رغبةٌ فى الجدل أو الدخول فى سجالات فكرية، بل كان ذلك قيامًا بواجبٍ دينيٍّ ووطنيٍّ موزونٍ بميزان العلم، ومعروضٍ على موازين الحكمة، والمنطق، والفكر الرصين؛ ليكون منارةً لتصحيح المسار، وحائطَ صدٍّ أمام تيارات التطرف التي عبثت بالنصوص الشرعية، وشوَّهت صورة الدين، وأساءت إلى قيمه العليا.
اقرأ أيضا| الوطن فى ميزان الفقه واللغة والأدب
قد يتوقع الإنسان أن تكون مكانة الأوطان معظَّمةً فى الشرع الشريف، وأن يكون هناك عدوانٌ من تيارات وجماعات التطرف والإرهاب على مفهوم الوطن، فنردُّ عليه ونواجهه بتثبيت وترسيخ مكانة الوطن، وبيان ما شيَّده الشرع الشريف من البرِّ والوفاء والعرفان للوطن فى نصوص الشريعة الجلية والخفية.
كل هذه النتائج متوقعة ومنطقية، لكن الذي كان مفاجئًا لي ومُدهشًا فى الحقيقة أن نصوص الشريعة، وتعامل المسلمين عبر التاريخ مع القرآن الكريم ومع السنة المشرفة، من خلال ميراثٍ متراكمٍ، يجعل أبناء الأقطار جميعًا يفهمون من الدين أنه يُعمِّق فى نفوسهم معاني البرِّ بأوطانهم، وفهموا بجوار هذا أن نصوص الشريعة المجرَّدة تصف عطايا الله وخصائصه للبلدان، وللأشخاص، وللبقاع، وللأزمنة. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾، فالله فضَّل الأزمنةَ على الأزمنة، والأماكنَ على الأماكن، والأممَ على الأمم، والأشخاصَ على الأشخاص، وهذا قانون إلهي وسُنَّة كونية؛ أن يتفاوت الناس، وأن تكون بينهم مسافات وفوارق، والذي يرفض هذا القانون ويتأبَّى عليه وتنغَّص نفسه منه يُسمَّى حسودًا؛ لأنه لم يرضَ حكمة الله فى عباده.
فقد تكون هناك مواهب خفية فى معانٍ أخرى، فالله وصف التفضيل بأنه ليس تفضيلَ إنسانٍ على إنسان، بل فضَّل بعضهم على بعض، فعطاء الله واسع ويشمل الجميع، لكن يُحترم عطاء الله فى الكل.
والعجيب أن هذه النظرية سارية فى حق مصر أيضًا؛ إذ فهم الإنسان المسلم عبر التاريخ أن يحترم وطنه أيًّا ما كانت بقعة هذا الوطن على ظهر الأرض، وفهم بجوار هذا أن مصر على وجه الخصوص لها خصوصية وتقدير، وتعامل معها القرآن الكريم تعاملًا مختلفًا.
ونحن نتحدث عن شعور المسلمين فى مختلف بقاع العالم، فإذا تجردنا وخرجنا عن شعورنا واعتزازنا بوطننا أولًا ـ أيًّا ما كان ـ وبأن من بين الأوطان مصر على وجه الخصوص، فإذا رصدنا عقول علماء الإسلام؛ كابن عباس، والصحابة الكرام، وأئمة الحديث والتفسير، وكيف نظروا إلى مصر، وكيف أنهم جميعًا أقرُّوا لها بفضل زائد، وتقدُّم، وتفرُّد، وتميُّز، وخصوصية من بين البقاع والأوطان، فالنتيجة الغريبة التي خرج بها هؤلاء أن القرآن الكريم يوحي ويُلهم، ويدل ويرشد ويشير إلى تعميق وتأصيل حبِّ الأوطان عمومًا، وإلى تقدير مصر على وجه الخصوص، ومعرفة مكانتها؛ كالمعنى الذي يطيب به خاطر كل مسلم أنني أنتمي إلى إندونيسيا، أو ماليزيا، أو نيجيريا، أو سائر البلاد العريقة والموقَّرة، لكن تبقى مكة المكرمة ـ ولا يمانع فى ذلك ـ لها فضل حتى على بلدي؛ لأنها بلد خصَّه الله تعالى.
فالقرآن الكريم يغرس فى نفس أي مسلم على وجه الأرض أن يُعظِّم بلده؛ إندونيسيا إن كانت، أو العراق، أو لبنان، أو أيًّا ما كان، وبجوار تعظيمه لبلده يعرف خصوصية مصر، ولا يجد أدنى غضاضة أو تعارض فى أن يكنَّ لوطنه الولاء الأكبر، وتبقى لمكة الاحترام والمكانة العليا؛ لأنها قبلة المسلمين جميعًا، ولأنها البيت الحرام، والصلاة فيها بمائة ألف صلاة، وهذا لا يتكرر ولا يمكن محاكاته فى غيرها من البلدان والأوطان، ولا حيلة فى ذلك.
وفضَّل الله بعض الأماكن على بعض، بأن اختصَّ جبل طور سيناء بأن تجلَّى عليه، وأن جعله خير جبال الدنيا. وعندما تقرأ فى كتب تاريخ المسلمين كيف تعاملوا مع جبل المقطم، تجد أن سيدنا عمرو بن العاص، ومن بعده من الصحابة، وبقية مؤرخي الإسلام، يحكون عنه أنه دُفن فى سفحه من الأولياء والعلماء والصحابة وآل البيت والتابعين عشراتٌ ومئاتٌ وألوفٌ مؤلَّفة، حتى سموه: »بقيع أهل مصر»، ويرون له فضلاً وبركة.
ويرون أن الله تعالى تجلَّى على جبل المقطم تجلِّيًا خاصًّا، فتضامن الجبل، كأنه تضعضع، كما تضعضع الجبل الذي تجلَّى الله فيه لموسى عليه السلام. هذه المعاني بدأت تُوجد معنى لا يُوصَف بالشوفونية، والشوفونية هي التعصب الوطني المفرط والغطرسة تجاه الآخرين، مع الاعتقاد المطلق بتفوُّق جماعة الشخص أو وطنه، مما يؤدي إلى ازدراء واحتقار الشعوب الأخرى، والتحيز الأعمى لها، وهي غالبًا ما تدعو إلى استخدام القوة والعدوانية، فهي امتداد متطرف للوطنية الصحيحة.
فليست عصبية أصلاً، بل وقوفٌ بحدِّ الأدب عند مقادير الفضل التي وزعها الله تعالى على الأمكنة، والأزمنة، والعباد، والملائكة، والرسل، والكتب؛ قانون الله فى التفضيل. وفى المقال القادم نواصل الإبحار فى خصوصية مصر ومكانتها فى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وما سطَّره علماء الأمة ومفسروها ومؤرخوها عبر القرون من إشارات ودلالات تكشف عمق الارتباط بين هذه الأرض المباركة وبين معاني الإيمان والنبوة والحضارة. كما نتوقف أمام مزيدٍ من الآيات الكريمة وأقوال الأئمة التي أبرزت مكانة مصر بين الأمم والأوطان، وكيف استقر فى الوعي الإسلامي احترامُها وتقديرُها عبر العصور، فى مقابل محاولات جماعات التطرف والإرهاب تشويه هذه الحقائق والطعن فى قيمة الأوطان ورمزيتها ومكانتها فى ميزان الشرع والتاريخ. وإلى لقاءٍ قادمٍ بإذن الله تعالى.



