الجمعيات الأهلية - قوة مصر بناسها

رئيس تحرير اللواء الإسلامى
رئيس تحرير اللواء الإسلامى

في مواسم الطاعات والأعياد تتجلى القيمة الحقيقية لأخلاق الإنسان المصري الشهم الأصيل الذي لا يتوانى عن خدمة أقاربه وجيرانه ودعمهم، وتقديم أوجه الرعاية والاهتمام لهم، ولو بكلمة طيبة أو التبسم في وجوههم؛ وربما تكون هذه الميزات المتفردة أحد أبرز خصائص الشخصية المصرية؛ ولا يوجد أقرب من الأفراح، أو الأحزان، ليكشف عن مكنون الإنسان ودواخل شعوره ومكنون نياته.. ولهذا فإن نظرة متأنية إلى سلوكيات الأعياد لهذا الشعب المتجذر في الزمان والمكان تكشف أن العطاء جزء رئيسي من الشخصية المصرية.  

إذا كان المجتمع الحقيقي هو الذي يتنفس بوعي أبنائه، ويتحرّك بضميرهم المشترك، وإذا كانت الدولة، بأجهزتها ومؤسساتها، تمثل الداعم الأول له، فإن العمل الأهلي هو القلب النابض بالعدالة والأمل لهذا المجتمع، مما يزيد من تماسك أبنائه وتلاحم أركانه؛ ولقد أسعدني الحظ بإجراء العديد من الموضوعات الصحفية مع بعض من مديري الجمعيات الأهلية المصرية وتعرّفت عن قُرب إلى هذا الجهد الكبير الذي يُقدمه المجتمع الأهلي المصري في مساعدة الفئات الأولى بالرعاية، وذوي الهمم، وأُسر المسجونات، وحملات الإطعام، وغيرها من النشاطات التي لم تقتصر على أبناء الوطن؛ وإنما امتد خيرها ليشمل أهلنا في غزة وسائر فلسطين الحبيبة، والمحتاجين في العديد من الدول العربية والإسلامية. 

اقرأ أيضا:وبحق السر الكامن فيها

***

في مصر، يحمل تاريخ الجمعيات الأهلية ملامح العبقرية الحضارية ذاتها؛ عبقرية التكافل والارتجال المنظم في مواجهة الأزمات؛ ولم تكن هذه الجمعيات يومًا ترفًا مدنيًّا، أو وجاهة اجتماعية؛ بل ولدت من رحم الحاجة، وتأسست على فكرة الدعم المتبادل بمفهومه الحضاري الواسع، من رعاية الأيتام، إلى محو الأمية، والجمعيات الطبية التي سدّت ثغرات عظمى في جسد الصحة العامة، وصولاً إلى مشروعات التنمية المستدامة والتمويل متناهي الصغر في أعماق الأحياء والقرى بالريف والصعيد؛ ولهذا فإن القيمة الحقيقية للعمل الأهلي لا تُقاس فقط بحجم الأموال التي تُنفق، أو المساعدات العينية التي تُوزَّع؛ بل تُقاس بقدرتها على نشر الأمل وتحويل المحتاج من مجرد مستهلك إلى منتج قادر على الإنفاق على نفسه ومساعدة غيره؛ وهذا هو المبدأ الذي تقوم عليه المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر؛ وهو ما تدعمه بقوة القيادة السياسية التي لا تكتفي بتقديم المواد الغذائية إلى البسطاء من أهلنا، وإنما تريد أن تضعهم على طريق العمل والاكتفاء الذاتي؛ وقد رأينا تلك اللمسة الحانية من الرئيس السيسي في الاحتفال بعيد العمال الأخير حين قرر تقديم ألف وخمسمائة جنيه لمدة ثلاثة أشهر للعمالة غير المنتظمة؛ إضافة إلى توفير مشاغل للخياطة، ومشاتل للزراعة، وافتتاح فصول لمحو الأمية، والتدريب على الحرف، وهو نهج لا يهتم فقط بإطعام الجائع بأن يُعطيه سمكة، وإنما يعمل على تدريبه على الصيد المحترف ليواجه مصاعب الحياة، وينتشل أسرته من ضيق العوز والحاجة إلى رحابة العطاء والإنتاج.

من حقنا أن نطمع في مزيد من الارتقاء بالعمل الأهلي المصري المتنامي بقوة، وهذا لن يحدث إلا إذا اعتمدنا أفكار المراجعة والمكاشفة سبيلًا للتحاور والتقارب بين هذه الجمعيات، حتى لا تعمل في جزر منعزلة، أو تتحوّل إلى منصّات إعلانية تتنافس فيما بينها على النجومية والتبرعات؛ في الوقت الذي نريدها فيه أن تكون شريكًا أصيلًا في التنمية المستدامة، وجزءًا من الخطة الاستراتيجية لبرامج الحماية الاجتماعية؛ ولا شك أن الشراكة تقتضي التنظيم، والشفافية، والبعد التام عن العشوائية أو الارتجال؛ مصر تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى هندسة جديدة للعمل الأهلي، تتكامل فيها جهود هذه الجمعيات مع خطط الدولة الاستراتيجية، بحيث نضمن ألا تتكدس المساعدات في مكان واحد لغرض الاستعراض؛ بينما تعيش قرى أخرى في صمت الإهمال؛ والقرى المصرية تحمل في جيناتها كوامن قوتها واكتفائها، فقط إن وجدت من يأخذ بيدها إلى الطريق.

اقرأ أيضا: خرفان .. عابرة للحدود!

***
قوة مصر الحقيقية كانت دائمًا في ناسها، وفي تلك القدرة العجيبة على مسح دموع الآخرين، والجمعيات الأهلية هي المصباح الذي ينظم هذا الضوء الكامن في نفوس المصريين، الجناح الآخر الذي لا يمكن لطائر التنمية أن يحلق بدونه، فالدولة وحدها قد تبني المصانع والطرق، لكن المجتمع الأهلي هو الذي يبني الإنسان الذي يحمي هذه المصانع ويمشي على تلك الطرق بكرامة وأمل.

العطاء حياة متجددة، والمجتمعات التي تغيب عنها فلسفة العطاء ميتة وإن ضجّت بالحركة، مجتمعات تتحول إلى غابات أسمنتية يتصارع فيها الجميع على حطام زائل. وعلى العكس من ذلك، فإن المجتمع الذي يتنفس أبناؤه العطاء هو مجتمع متماسك، تسري في عروقه حيوية التكافل والرحمة؛ حين يعطي الغني بكرامة، ويقبل الضعيف بحب، تذوب الفوارق النفسية وتزول الأحقاد، ويتحول المجتمع من مجرد تجمع بشري إلى بنيان مرصوص، يشد بعضه بعضًا.