واجب المثقفين والإعلاميين مجابهة هذه الادعاءات بمزيد من بث الوعي المجتمعي بما تقوم به الدولة من إنجازات في مجال تصحيح المفاهيم المغلوطة
دعاء الشيخ سيد
الجمعة:
يقف الشيخ على المنبر هادئًا، متزنًا، يثق في علمه، وفيما يقول؛ في الوقت نفسه الذي تطالعه خلف الشاشات غربان سوء تنتظر هفواته لتنعب عليه وتشغب على الأزهر ورجاله.. تنطلق الكلمات من القلب مُقنعة، باهرة، مفعمة بمحبة الله ورسوله وآل بيته؛ ولكن اللئام من ذوي الأوهام لا يكفون عن الضجيج والاتهامات الفارغة بتشيع الأزهر؛ وهي البغضاء التي تُعلنها ألسنتهم على وسائل التواصل، وما تُخفي نفوسهم أكبر؛ إذ لا يتركون فرصة للغضّ من هذه القامات السامقة التي نباهي بها، إلا واهتبلوها.
ليس علينا أن نؤمن بالصدف، أو أن الحياة تسير خبط عشواء دونما تدبير أو تقنين يربط الأحداث ببعضها في فضاء كوني واسع يُقدره الحق سبحانه وتعالى؛ وفي إجازة العيد وحينما كنت أحاول التنقيب في مكتبتي بالقرية بحثًا عن بداية جديدة لإعادة النشاط القرائي وقع تحت يدي كتاب "أباطيل وأسمار" للشيخ محمود شاكر، ووجدت أنني كنت قد توقفت عند بيتي الأخطل اللذين أوردهما الشيخ للتدليل على وجهات نظره، وهما: تنقّ بلا شيء شيوخ محارب* وما خلتُها كانت تريش ولا تبري/ ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت* فدلّ عليها صوتها حية البحر.. وفي الوقت نفسه طالعتُ هجومًا سلفيا وإخوانيا بوسائل التواصل على فضيلة الشيخ سيد حسين عبد الباري، مدير القطاع الديني بوزارة الأوقاف، وكل جريرة هذا العالم الجليل أنه قد دعا في خطبة العيد بمسجد الفتاح العليم قائلًا: "اللهم بحق بفاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، وبحق السر الكامن فيها، اللهم لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك"؛ ومن يُتابع الخطب المنبرية لمدير القطاع الديني بالأوقاف يُدرك أن هذا الدعاء المُبارك لازمة من لوازمه، وهبة رزقه الله إياها؛ ولا يُمكن أن نستمع إلى المتشنجين والمتشددين ومدّعي حراسة العقيدة، والمهووسين بتخويفنا من التشيع؛ فكل هؤلاء الذين يصخبون على الأزهر ورجاله ويلتمسون عثراته ليهيجوا الناس عليه لا يعرفون قوة وصلابة هذا الشعب ولا حقيقة وسطيته التي تجري في دمائه مثل ماء النيل؛ وفي الوقت الذي كان مصر تديرها حكومة شيعية لم تتشيع وفرضت سلطتها هي وقانونها هي على الوافدين، بل حوّلت الرمز الذي تم بناؤه لخدمة مذهب الحاكمين إلى منارة عالمية لخدمة وسطية أهل السنة والجماعة، وهو الأزهر الشريف الذي يقود العالم الإسلامي إلى الكمال النوراني الأبهى.
كل النواعب إلى زوال، والوسطية المصرية باقية "بالسر الكامن فيها" تؤدي دورها الخالد في خدمة الإسلام وبث الأمل في نفوس المسلمين، وخلق الله أجمعين.
بهارات التبديع!
الإثنين:
من القواعد الراسخة التي أصبحت عنوانًا على مصر: الدولة والمواطن، أنها تلفظ كل تشدد يُحاول الالتصاق بها وإيهامنا أنه جزء من وجودها الداخلي وشكلها الخارجي؛ وذلك لأن هذا الشعب قد أدرك بفطرته السوية وتجاربه التاريخية أن الحضارات لا تقوم على الشكلانية الفارغة من المضمون القوي، أو الأوهام الممزوجة بخلطة دينية تلتحف الشعارات الكاذبة حول الخوف على الإسلام، وادعاء الأخذ بالسنة المتواترة، مع بهارات التفسيق والتبديع التي أرهقتنا طويلًا وشغلتنا في سفاسف ونقاشات غير ذات جدوى؛ فقد أدرك الجميع أن هذه الأصوات آبقة من حبال المحبة الوطنية الصافية التي تشكلت منها طينة هذه الأرض الطيبة؛ وأن الشخصية المصرية قادرة على نفي خبث هذه الزوائد عن جسدها الطاهر.
هذه الشناعات التي يحملها إلينا الفضاء الأزرق كل حين، والتي يُديرها الجاهلون بمواطن أقدامهم وقيمة وطنهم، في هذه الأوقات شديدة الصعوبة، تمثل خطرًا آنيا ومستقبليًّا، وأنه لا فرصة للمضي قُدمًا في بناء الجمهورية الجديدة مع وجود هذه الاصوات النشاز؛ ويحدث ذلك في الوقت الذي يُصبح فيه التكاتف الوطني فرض عين على كل مصري؛ كما أنه من واجب المثقفين والإعلاميين مجابهة هذه الادعاءات بمزيد من بث الوعي المجتمعي بما تقوم به الدولة المصرية من إنجازات في مجال تصحيح المفاهيم المغلوطة، وإنقاذ نصاعة ديننا الحنيف من موبقات ذوي الأوهام والأغراض.
ومن المآسي الحقيقية أن تناقش شابًّا من أسرة مرموقة قد تخرج في الجامعة، ثم تُفاجأ أنه مغسول العقل مسلوب الهوية، وأن كل ثقافته السياسية وخبراته الحياتية قد شكلتها المواقع والقنوات الإخوانية التي تبثّ من الخارج؛ فهو يُحاور ويُناور ويُجادل دون رغبة في الوصول إلى اليقين؛ وقتها فقط أدركت مأساة سقراط مع السوفسطائيين، وفهمت معنى قول الإمام عليّ بن أبي طالب، كرم الله وجهه: "لو جادلني ألف عالم لغلبتهم، ولو جادلني جاهل لغلبني"؛ إذ بعد ساعات من مُحاولات إجلاء صدأ ذهنه، وإفهامه بالمنطق القويم، وإعادته إلى الطريق الوطني المستقيم، فإنه لا يلبث حتى ينكث على عقبيه، وكأنه ببغاء عقله في أذنيه، ومهما قدمت إليه من أدلة وبراهين موثقة بالفيديو، وبشهادات هؤلاء الخونة أنفسهم، فهو لا يُصدّق إلا ما تبثه قنوات الفتنة الإخوانية.. وهنا يبرز تساؤل: إذا كانت القيادتان المصرية والتركية قد أخذتا خطوات كبيرة مؤخرًا نحو التقارب السياسي، فلماذا تظل قنوات الفتنة تبث سمومها وأباطيلها حتى الآن، وبما يُمثل تشويشًا ذهنيًّا، وتشويهًا معرفيًّا، وتضليلًا لوعي الشباب المصري، في هذه اللحظات الفارقة من تاريخ المنطقة؟.
الورطة الثقافية!
الثلاثاء:
في كتابه المهم "في فلسفة النقد" جاءت آخر تجليات المفكر الكبير د. زكي نجيب محمود في مقال بعنوان: "وكان عصر طه حسين"، وقد أشار فيه إلى القبضة المطلقة لعميد الأدب العربي على الساحة الأدبية والثقافية، حتى إنه صار ضمير مصر الأدبي طيلة خمسين عامًا؛ وإذا كان علينا أن نبتئس الآن لغياب مثل هذا الضمير الثقافي الملهم، وبما يضعنا في ورطات ثقافية متتابعة؛ فإنني متفائل بمستقبل الثقافة المصرية، ليس فقط لأن التاريخ يُثبت أنها قادرة على معالجة أخطائها ونبذ زيفها والتفاعل مع معطيات الواقع؛ ولكن لأن لدينا بالفعل مؤشرات قوية تؤكد ذلك، ومنها هذا الإقبال الكبير على معرض الكتاب الأخير، رغم ارتفاع تكاليف الأوراق والأحبار، ومنها هذا العدد الكبير من المقالات التحليلية والكتب الإبداعية التي تسعى لمعالجة المشكلات الثقافية والبحث عن حلول جذرية لمشكلاتها المزمنة؛ ومنها الكتاب الرائع للدكتور محمد حسين أبو العلا، الذي جاء تحت عنوان لافت: "الورطة الثقافية: خرائط من ذاكرة الجنون"، الصادر عن مركز الحضارة العربية للتنمية الثقافية، وينطلق الكتاب، كما يقول الكاتب، "من وحي لحظة الانشطار الفكري تجاه التحديات الكونية المعاصرة، مشيرًا إلى أهمية الحقيقة التاريخية الكاشفة عن غياب الاتساق المعرفي وتهتك أوصال الهندسة الثقافية، وإحالتها من كونها تُعد فضيلة عقلية وإطارًا مرجعيًّا إلى ملحمة بائدة يصعب احتواؤها في دوائر الصراعات والحروب الثقافية المُستعرة الدافعة بالضرورة نحو إبادة الوعي بالذات".
تبرز النقطة الأهم في كتابات د. محمد حسين أبو العلا، أنه يُعالج الآفات الإخوانية الضارة بكثير من الحكمة المرتكزة على العمق والتحليل الدقيق الذي يكشف ورقة التوت الوحيدة عن هذه الأوشاب الضارة بالمستقبل الوطني؛ وكذلك ثقته الكبيرة بقدرة الثقافة المصرية على مواجهة الأفكار الدخيلة على الأصالة الوطنية.



