في رحاب البيت الحرام.. عبر ومواقف

صورة توضيحية
صورة توضيحية

يمثل الحج لبعض المسلمين مجرد مناسك وعبادات تُؤدَّى، بينما هو عند أهل الإحسان رحلة روحانية تكون فيها التلبية هي الزاد، والتكبير خشوعًا، ولقاء الحبيب غايةً قصوى. ولذا يذكرنا التاريخ بتلك الحجج الروحية التي تتجلى فيها هيبة الصالحين وآل بيت النبي ﷺ في قلوب الناس، حتى تحولت بعض الوقائع التي شهدها المسجد الحرام والمشاعر المقدسة إلى صفحات خالدة في كتب التاريخ والسير.

ومن بين أشهر تلك الوقائع ما جرى للإمام علي زين العابدين داخل المسجد الحرام، في مواجهة غير مباشرة مع هشام بن عبد الملك، وهي الحادثة التي اعتبرها المؤرخون واحدة من أعظم الشهادات الشعبية على مكانة آل البيت في وجدان المسلمين.

تروي كتب الأدب والتاريخ، ومنها كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني وكتاب “وفيات الأعيان” لابن خلكان، أن هشام بن عبد الملك قدم حاجًا إلى مكة قبل أن يلي الخلافة، وكان محاطًا بوجوه بني أمية وأهل الشام وحرس الدولة. حاول الوصول إلى الحجر الأسود ليستلمه، غير أن شدة الزحام حالت بينه وبين ذلك، فكان كلما اقترب دفعه الناس من غير قصد، حتى اضطر إلى الجلوس على منبر نُصب له في ناحية المطاف، يراقب الحجيج وهو محاط بالحرس والوجوه الرسمية للدولة الأموية.

اقرأ أيضًا | السيدة زينب.. النشأة النورانية والوراثة المحمدية

وفي خضم هذا المشهد المهيب، أقبل الإمام علي زين العابدين، حفيد الإمام الحسين بن علي، وقد عُرف بين الناس بسمت العبادة ونور الطاعة وكثرة السجود. وما إن اقترب من الحجر الأسود حتى انفرجت له الصفوف تلقائيًا، وفسح الناس له الطريق في مهابة نادرة، حتى وصل إلى الحجر واستلمه في هدوء وسكينة، بينما كان الجميع ينظر إليه بإجلال ظاهر.

دهش أهل الشام من هذا المشهد، وسأل أحدهم هشام بن عبد الملك: من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟ فأنكر هشام معرفته به قائلًا: “لا أعرفه”، خشية أن يلتفت أهل الشام إلى منزلة الإمام الحقيقية ومكانته في قلوب المسلمين. غير أن الشاعر الفرزدق، وكان حاضرًا الواقعة، لم يحتمل هذا الجحود، فانبرى مرتجلًا قصيدته الشهيرة التي صارت من عيون الشعر العربي في مدح آل البيت، ومما قال فيها:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم
هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
بجده أنبياء الله قد خُتموا

وفي تاريخ الحج أيضًا برز اسم السيدة نفيسة بوصفها واحدة من أعظم نساء آل البيت عبادة وزهدًا. وقد نقلت كتب المناقب والسير أخبار رحلاتها المتكررة إلى بيت الله الحرام، حتى شاع بين الناس أنها حجت ثلاثين حجة، فكانت تقطع الطريق من المدينة إلى مكة ماشية على قدميها، في زمن كانت فيه الرحلة عبر الصحراء تستغرق أيامًا طويلة محفوفة بالمشقة والمخاطر.

ولم تكن رحلة الحج عند السيدة نفيسة مجرد انتقال مكاني لأداء المناسك، بل كانت حالة تعبُّد كاملة. فقد رويت عنها مشاهد مؤثرة وهي متعلقة بأستار الكعبة تدعو الله قائلة: “إلهي وسيدي ومولاي، متعني برضاك عني، ولا تحجبني بحجاب يحجبني عنك”، وهو دعاء يعكس حالًا عرفانيًا عميقًا عند أهل التصوف والزهد.

وكان من أشهر كلماتها التي تناقلها أصحاب السير قولها لمن أشفقوا عليها من كثرة العبادة والمشقة: “كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلا الفائزون؟”، وهي عبارة اعتبرها كثير من المتصوفة تلخيصًا لفلسفة المجاهدة والسير إلى الله.

وترتبط بدايات حجها أيضًا بوالدها الحسن الأنور، الذي كان يصحبها في رحلات الحج وزيارة المشاعر المقدسة، وقد توفي في إحدى الرحلات سنة 168 هـ، فواصلت ابنتُه مسيرتها بالصبر والاحتساب. وذكرت كتب التراجم، ومنها “سير أعلام النبلاء” للإمام الذهبي، أخبار عبادتها ودوام صيامها وكثرة ختمها للقرآن، حتى أصبحت سيرتها رمزًا للزهد والولاية في الوجدان الشعبي المصري والإسلامي.

أما العارف الزاهد إبراهيم بن أدهم، فقد تحولت رحلاته إلى الحج إلى ما يشبه “السفر الروحي” الذي امتلأت حوله الروايات والكرامات. وتنقل كتب التصوف، ومنها “حلية الأولياء” لأبي نعيم الأصفهاني، أنه خرج مرة من الشام إلى مكة قاصدًا الحج، وعاهد نفسه ألا يخطو خطوة إلا صلى لله ركعتين، فاستغرقت رحلته أربعة عشر عامًا كاملة.

وكان الناس يرون في هذا الفعل صورة نادرة من صور الانقطاع الكامل للعبادة، حتى قيل إن أهل مكة خرجوا لاستقباله عند وصوله بعدما شاع خبره في الآفاق. كما اشتهرت عنه قصة “المراكب الباطنية”، حين سأله رجل عن راحلته في الطريق الطويل، فأجابه بأن له مراكب لا يراها الناس، موضحًا أن مركبه في البلاء هو الصبر، وفي النعمة الشكر، وفي القضاء الرضا، وفي مواجهة شهوات النفس قصر الأمل وتذكر الموت.

ومن أشهر الروايات المنقولة عنه في مكة أنه تحدث مرة عن حال العارف بالله، قائلًا إن الأرض تفرح بوطء أقدام العارفين، فاهتزت الأرض بمن حوله، فخاف الناس، فأشار إليها أن تثبت فسكنت. ورغم أن المؤرخين اختلفوا في أسانيد كثير من هذه الروايات، فإنها بقيت حاضرة بقوة في أدبيات التصوف الإسلامي باعتبارها تعبيرًا رمزيًا عن تعظيم الناس لأهل الصلاح.

وتروي المصادر أيضًا أن أسدًا اعترض إحدى القوافل التي كان يسير فيها إبراهيم بن أدهم إلى الحجاز، فاقترب منه وخاطبه بثبات قائلًا: “إن كنت أُمرت فينا بشيء فامضِ لما أُمرت به، وإلا فتنحَّ عن طريقنا”، فانصرف الأسد وسط دهشة الناس، وهي الرواية التي استشهد بها المتصوفة على قوة اليقين والتوكل.

وفي الحرمين الشريفين أيضًا لمع اسم الزاهد الكبير الفضيل بن عياض، الذي لُقب بـ “عابد الحرمين”، بعد أن تحولت حياته من قاطع طريق إلى واحد من كبار أئمة الزهد والحديث. وقد ارتبط اسمه بالحج ومواسم العبادة ارتباطًا وثيقًا، حتى صار مجلسه مقصدًا للخلفاء والعلماء والعباد.

ومن أشهر مواقفه ما جرى له فوق جبل أبي قبيس في مكة، حين تحدث عن صدق التوكل على الله قائلًا: “لو أن الرجل صدق في التوكل على الله ثم قال لهذا الجبل اهتز لاهتز”، فذكرت الروايات أن الجبل تحرك بالفعل، فخشي الفضيل الفتنة وأمره أن يسكن فسكن.

وكان موقفه بعرفات من أكثر المشاهد تأثيرًا في كتب الزهد، إذ نظر إلى الحجيج وهم يبكون ويدعون فقال: “أرأيتم لو أن هؤلاء وقفوا على رجل يسألونه درهمًا أكان يردهم؟”، فلما قالوا: لا، أجاب: “والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة ذلك الرجل لهم بالدرهم”، في تصوير بليغ لسعة الرحمة الإلهية في ذلك الموقف العظيم.

كما اشتهر لقاؤه بالخليفة هارون الرشيد أثناء الحج، حين طلب الرشيد من وزيره أن يدله على رجل يذكره بالله، فقاده إلى الفضيل. وتذكر المصادر أن الفضيل وعظه بكلمات أبكت الخليفة حتى أُغمي عليه، ثم رفض عطاياه قائلًا إنه لا يريد من الدنيا شيئًا، فخرج الرشيد قائلًا: “هذا سيد المسلمين حقًا”.

هكذا ظل الحج عبر القرون ساحة تتجلى فيها معاني الهيبة الروحية والصدق والزهد والتجرد، لا باعتبارها مجرد حكايات عجائبية، بل بوصفها صورًا رمزية لعلاقة المسلمين بأهل البيت وأولياء الله الصالحين، أولئك الذين بقيت أسماؤهم حاضرة في الذاكرة الإسلامية لأنهم ربطوا بين مناسك الأرض وأحوال السماء، وبين الطواف حول الكعبة والطواف الدائم بقلوبهم في محبة الله.