السيدة زينب.. النشأة النورانية والوراثة المحمدية

أ. حسين الطيب مدير تحرير اللواء الاسلامي
أ. حسين الطيب مدير تحرير اللواء الاسلامي

لم تكن السنة السادسة من الهجرة كأي سنة مثل غيرها، بل كانت سنة مشرفة باستقبال درة عقد أهل العباءة من بيت النبوة الطاهرة، الذي كانت أول حباته في السنة الرابعة من الهجرة النبوية المشرفة ببزوغ نور الإمام الحسن رضي الله عنه، وفي السنة الخامسة كانت أنوار الإمام الحسين تتلاحم مع أنوار أخيه الحسن عليهما السلام لينيرا مشرقها ومغربها، ثم هلت عليهما السنة السادسة بأنوار درة القلب ومنى غايته، حيث تلألأ بيت النبوة حباً وفرحاً وغبطةً وسروراً، وتوافدت الملائكة على بيت الكاملة زوجة الإمام، بنت خير الأنام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، وأم الأئمة على مر الزمان، ينتظرون قدوم العقيلة الفاهمة المفهمة التي خط قلم القدرة في اللوح المحفوظ منذ خلق الله الدنيا، وقدر فيها أقواتها، وبسط أرضها، ورفع سماءها، بأن اليوم الخامس من شهر جمادى الأولى من العام السادس من الهجرة سوف يشهد ميلاد رئيسة ديوان أهل البيت المحمدي، وحاملة لوائه، ومستودع جليل نفحاته، وكعبة أسراره، وبغية الطلاب، ومنى العشاق.

فكأنما قلم القدرة كان يخط أقدارها في اللوح المحفوظ في عالم الإرادة الإلهية، مشفقاً عليها فيما ستتحمله وتلاقيه من هول ليس مثل هوله هول. وليس هذا وحسب، بل كان يخط أقدارها بمداد الأنوار المحمدية الربانية التي اختص بها رب العزة حبيبه وصفيه، وسر سره الساري في جميع خلقه، سيدنا محمد ذي القدر الأفخم، والنور الأعظم، والجمال الأزكى، شاهد الحق، ثابت الإحسان، وأهل بيته من حملة الأسرار، ونقطة مدار فلك الأقدار.

فكان ظهور جميل جليل أنوارها من عالم الخفاء إلى عالم الظهور في الخامس من جمادى الأولى، ليتم الله قدره، ويحق الحق على خلقه بحوله وقوته وعظيم قدرته، ويحكم فيهم بما كسبت أيديهم. فأوجدها الموجود الذي يدور في فلكه كل موجود كان أو يكون.

وبعدما مرج الله بحري الكرار والفاطمة، وأخرج لنا منهما اللؤلؤ والمرجان لخير ذرية في العوالم والأكوان، فكانت السيدة زينب رضي الله عنها من خير درر مروج البحرين، حتى اختصها الله الواحد الأحد بعظيم صفات لم تحظ امرأة في البشرية بمثلها إلا الكاملات الأربع، سلام الله عليهن.

فكان أولى تلك الصفات أن من سماها هو رب العرش العظيم، كما ورد في السير أن أم أبيها سيدة نساء العالمين فاطمة بنت خير الورى، حينما وضعت ابنتها فأتت بها إلى زوجها أمير المؤمنين وأبا السبطين الحسن والحسين، ووضعت ابنتها بين يديه وقالت: سمِّ هذه المولودة. فقال: ما كنت لأسبق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان في سفر له.

فلما جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسأله الإمام علي عن اسمها قال: ما كنت لأسبق ربي. فهبط الأمين جبريل يقرأ على النبي السلام من الله الجليل، وقال له: سمِّ هذه المولودة زينب، فقد اختار الله لها هذا الاسم. كما وردت الرواية في كتاب: «ابنة الزهراء بطلة الفداء السيدة زينب»، للكاتب والباحث علي أحمد شلبي، طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لجنة التعريف بالإسلام، سنة 1977.

وقالوا في معنى اسم زينب: «الزَّيْنَبُ: نبات عشبي بصلي معمّر من فصيلة النرجسيات، أزهاره جميلة بيضاء اللون فوّاحة العِرف، وبه سُمِّيت المرأة». وقد كانت السيدة زينب وكأنما قد تسمت الزهرة باسمها وليس العكس، حيث عُرف عنها بأنها كانت معمّرة لكل مكان تذهب إليه إلا وعمرته بالتقوى والذكر والعبادة، ومثل زهرة النرجس تجذب إليها الناظرين بجمال صورتها وطيب عبيرها وحلو كلامها وجلال عبادتها، فكانت السيدة زينب تنثر بين أقرانها وأحبابها طيب عبيرها وترويهم محبةً وإيماناً.

ومما قدمنا لقليل من بعض الملامح الأولية للبيئة الاجتماعية والتربوية والإنسانية والدينية والروحية لبستان الدوحة النبوية، الذي كان غرس الزينب النرجسية فيه ما هو إلا محدداً للملامح الظاهرية لتلك الشخصية الفريدة المتفردة بعوامل وراثية ليس لمثلها في الخلق كله مثيل.

أما الملامح الباطنية فلا يعلم سرها إلا من خلقها جل جلاله، فهو وحده يعلم السر وما يخفى. وإذا حاولنا الاجتهاد بما وصلت له العلوم الاجتماعية في العصر الحديث للعوامل المؤثرة في تكوين شخصية الفرد، فقد جاء في كتاب: «السلوك التنظيمي (مدخل بناء المهارات)» للدكتور أحمد ماهر، دار النشر: الدار الجامعية – الإسكندرية، سنة النشر: 2014، رقم الصفحة: 187:

إن مكونات الشخصية تشير إلى أن المحددات والعوامل المؤثرة في تكوين وتشكيل هذه المكونات عديدة جداً، ولكن للتبسيط فإننا يمكن أن نقول إن العوامل المؤثرة في تمويل الشخصية يمكن إجمالها في الآتي:

العوامل الوراثية والملامح الجسمانية.

عوامل الأسرة والتعليم.

عوامل البيئة.


العوامل المؤثرة في تكوين شخصية السيدة زينب رضي الله عنها:

وإذا حاولنا تطبيق القواعد العلمية السابقة على شخصية السيدة زينب، فسنجد أنه كان الأحرى بمن وضعوا تلك الأسس والقواعد أن يتدارسوا شخصية الكريمة العظيمة رئيسة الديوان فيما بينهم، ثم يجتمعون عبر الزمان والمكان ليستخلصوا من حياتها وشخصيتها قواعد علومهم. لأننا لسنا أمام شخصية ذات صفات غير طبيعية أو خارقة في أمر ما، أو حتى عبقرية في أحد العلوم، وإنما نحن أمام عنصراً كونياً فريداً متفرداً ومعجزاً للصفات والحركات والسكنات البشرية في كل شيء. فهي مَنْ؟ وبنت مَنْ؟ وأخت مَنْ؟ وزوج مَنْ؟ بل هي قبل كل شيء حفيدة مَنْ؟ إنها حفيدة سر الخلق الإلهي، ومستودع أسراره وأنواره، ومَنْ خلق الله من نوره الكون والعوالم والسماوات والعرش والأراضين.

(عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أول شيء خلقه الله، فقال: هو نور نبيك يا جابر، خلقه الله ثم خلق فيه كل خير، ثم خلق بعده كل شيء… إلى آخر الحديث كما ورد).
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الشيخ الباجوري شيخ الأزهر الشريف: إن حديث «أول ما خلق الله القلم» رواه أحمد والترمذي وصححه، ويجمع بينه وبين حديث «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر» بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا النور النبوي المحمدي والماء والعرش، فحديث «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر» حديث صحيح ثابت عند أهل الحق.

وقال العارف بالله الشيخ إبراهيم أبو خليل رضي الله عنه: «بدء الخلق بالنور المحمدي المشهود بالرحمة والإحسان، نور من نور القديم الأزلي على الذات، فسجد لله ما شاء أن يسجد له مسير الدهور ومدبر الأزمان، وبه دارت الأفلاك، وسبحت الأملاك لبارئ الأرض والسماوات، ومن سناه العرش والكرسي واللوح والقلم وما يكون وما كان». ومدون ذلك بكتابه «الإشراقات الصوفية الإبراهيمية»، والمعتمد بتصريح من الأزهر الشريف برقم: 6845/م3/3/1420هـ.

ويقول الشيخ أحمد الرضوان رضي الله عنه في النفحات الرضوانية: «أول ما خلق الله نور النبي ﷺ، وكل ما خلقه بعد ذلك فهو من هذا النور».

إنه المصطفى رسول رب العالمين، سيد الخلق كلهم محمد بن عبد الله، صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم. فإن كان المصطفى جدها، فكفى به مورثاً لسر الأسرار الإلهية، وعليه فإنها رضي الله عنها وريثة تلك الهدية الرحمانية النورانية الإلهية.