قلب وقلم

خرفان .. عابرة للحدود!

رئيس تحرير اللواء الإسلامى
رئيس تحرير اللواء الإسلامى

في العدد الماضي من "اللواء الإسلامي" الغرَّاء طرحنا قضية غاية في الخطورة على صفحة كاملة، بعنوان: "الأضاحي المهاجرة"، وهي قضية تفاقمت خلال السنوات الأخيرة حتى أضحت ظاهرة تلفت الانتباه وتستدعي التدخل العاجل ببثّ الوعي المجتمعي من ناحية، وبحث الوسائل القانونية لمنع استشرائها من ناحية أخرى؛ والحقيقة أن مجلس تحرير الجريدة يُعطي أولوية قصوى للقضايا الوطنية ذات التأثير الكبير على الأمن الاقتصادي الوطني، وهو الأمر الذي سنواصل العمل عليه من خلال الحملات الصحفية الضاغطة حتى نكشف النقاب عن مخبوءات هذا الأمر ومن يقف خلفه، خاصة أن هناك قلوبًا تتلظى من كل تقدّم يُصيبه هذا الوطن؛ ولا يُمكن أن يختالنا عن أنفسنا هذا السكون المريب للجماعات الإرهابية الكامنة خلف غيوم اليأس في انتظار لحظات الانقضاض على مقدرات الوطن، وإن لم يكن هذا الكمون مانعًا من التحرك الحربائي وبث سمومها من وراء ستار، وهو ما يجب التنبه إلى خطورته اللاهبة على الوعي المجتمعي الذي يأنس دائمًا بالهدوء الكاذب والغفلة اللذيذة.

اقرأ أيضا| صندوق الأفق!

ليست "الخراف" العابرة للحدود الظاهرة السلبية الوحيدة التي تنقل شقى أعمار الكثيرين إلى خارج الوطن؛ وكأن "زامر الحي لا يُطرب" وفقير الحيّ لا يملأ العين، فنحتاج إلى ضخ أموالنا في دول أخرى؛ سواء أكانت فقيرة أم تدّعي الفقر، "فجحا دائمًا أولى بلحم طيره"، "وما يحتاجه البيت يحرم على الجامع"؛ ولكنها أفكار الجماعات الإرهابية التي تجعل من الوطن مجرد رقم في ذيل القائمة، ولا بأس من "طظ" زاعقة، آثمة، مجرمة، في خطابٍ تلوكه ألسن السوء، وما تُخفي صدورهم أكبر؛ تلك هي القناعات نفسها التي تُبرر ذبح الأضاحي خارج الوطن، باعتبار أن المسلمين في كل مكان، وهم أولى من أهلنا بهذه الصدقات، وهم أنفسهم الذين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا الشباب الجامعي ليرسل ملايين الجنيهات إلى حسابات وهمية في دول إفريقية لحفر آبار المياه، وإقامة محطات للتحلية، وبناء المساجد والتكايا، بزعمهم، ولا شك أن هذه الأموال المهاجرة من شباب جاهل أو تم تجهيله، لا تصبّ إلا في حسابات الخوارج وأعداء الوطن، وكأننا نخمش وجوهنا بأيدينا فنؤذي أنفسنا بدلًا من المرة الواحدة مرتين.. ولهذا ومع استفحال هذه الظاهرة الآثمة فإننا ننادي بضرورة تقنين تشريع يقطع هذا الشريان الدموي عن هذه الجماعات، ويمنع تسريب شقى أعمارنا إلى خارج الوطن.. وإن كانت النيات صادقة!    

يبرع هؤلاء الآثمون في رسم سيناريوهات البؤس؛ صورٌ لأطفالٍ جائعين في أدغال إفريقيا، أو مهجرين في مخيماتٍ لا يعلم مكانها إلا الله، ويستنهضون فيك نخوة المسلم وشهامة المصري؛ وبدلاً من أن تذهب تلك الصدقات إلى جارك الفقير، أو مستشفى في قريتك، أو مشروعٍ قومي يبني مستقبلك، تجدها تشق طريقها عبر قنوات تحويل "خرفانية" غامضة لتصل إلى مراكز التنظيم الدولي في عواصم الضباب ومدن التآمر.

لا يزال الكثيرون منا يقعون في الفخ الإخواني القديم، ولا تزال العاطفة الدينية الجياشة لدى المصريين هي الثغرة التي ينفذ منها هؤلاء المتاجرون بالدين والوطن؛ حتى أصبح تحويل الأموال المصرية إلى الخارج تحت لافتات براقة مثل: التبرع للمحتاجين أو إغاثة المنكوبين في بلادٍ أخرى، ظاهرة واضحة في مجتمع يرتكن إلى التكاتف المجتمعي للبقاء صامدًا وسط تنامي غول العولمة الجشع؛ بينما الحقيقة أن هذه الجنيهات والعملات الصعبة "جدًّا" التي يتم اهتبالها من قوت الوطن ليست إلا وقودًا يصبُّ في خزائن جماعة الإخوان الإرهابية.

من يرصد حركة هذه الأموال "الهاربة" يكتشف أنها تُضخ في شبكة معقدة، لا تهدف لإطعام جائع، بل لتمويل المنصّات الإعلامية المأجورة التي تنهش في جسد الدولة المصرية ليل نهار من الخارج؛ وتدعم اللوبي العالمي الذي يشتري الذمم في أروقة السياسة الدولية لتشويه صورة الوطن؛ إضافة إلى الإنفاق الباذخ على القيادات الهاربة الذين يسكنون القصور ويتنعمون في رغد العيش من أموال "الغلابة" الذين ظنوا أنهم يتقربون بها إلى الله.

اقرأ أيضا| وبحق السر الكامن فيها

فقه الواقع، الذي يجهله هؤلاء أو يتجاهلونه، يقول: "الأقربون أولى بالمعروف"؛ خاصة أن الوطن يخوض معركة بناءٍ ووجود وسط محيط عربي مضطرب، وهو أحق بكل جُنيه يخرج من عَرق جبين مواطنيه؛ ولذا يجب أن تكون الدولة بمؤسساتها الرسمية وجمعياتها الخيرية المشهود لها بالنزاهة والرقابة، هي القناة الوحيدة التي تضمن وصول التبرعات إلى ابن الوطن، المستحق الحقيقي، لا إلى الأيادي التي تنهب خيراتنا باليمين وتطعن ظهورنا بخناجرها المسمومة بالشمال.

نحتاج إلى حملات قومية للتوعية تقول لهذا الشعب الطيب: احذروا "التقوى الزائفة" التي تتسول أموالكم لتصنع منها رصاصًا إعلاميًّا أو سياسيًّا ضد بلدكم؛ لا تتركوا طيبتكم تكون جسرًا لتمويل من يسعون لخراب دياركم .. فالصدقة الحقيقية هي التي ترفع شأن وطنك وتستر حاجة ابن بلدك؛ أما نهر الأموال الحرام المتدفق إلى الخارج فهو اشتراكٌ، بقصد أو بدون قصد، في جريمة ضد الوطن.