بقلم: د. أسامة هاشم الحديدي
مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
فمن تبع هداي
مما لا شكَّ فيه أن كلَّ إنسانٍ سويٍّ تطمئنُّ نفسُه حين يشعر بالسلام الداخلي؛ سكينة تملأ القلب، وطمأنينة تجعله ثابتًا أمام تقلبات الحياة. تلك الحالة التي يشعر فيها أن كلَّ شيءٍ فى موضعه، وأن قلبه مستقرٌّ مهما تبدّلت الظروف.
اقرأ أيضا| لا تستكثر أعمالك «٢»
فهل يمكن أن يبلغ الإنسان هذه الدرجة من الطمأنينة، فيعيش بلا خوفٍ مما هو آتٍ، ولا حزنٍ على ما مضى؟
يأتي الوعدُ القرآني ليكشف عن حقيقةٍ ينالها من سلك طريقًا واضحًا، حتى يصير فى مأمنٍ من الخوف، ومنزَّهًا عن الحزن، فى وعدٍ إلهيٍّ لفئةٍ مخصوصة بلغت من الأمان النفسي واليقين مبلغًا عظيمًا؛ حتى صارت فى معية الله وتحت رعايته، فلا يندمون على ما فات، ولا يخافون مما هو آتٍ.
فمن هم هؤلاء؟
يجيب القرآن الكريم بوضوح فى قوله تعالى: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 38).
لقد وضع الله تعالى شرطًا جامعًا مانعًا لنيل هذه المنزلة، وهو اتباع الهدى. فالخوف يتعلق بما هو آتٍ فى المستقبل، والحزن بما مضى ولم يتحقق، ومن اتبع هدى الله نجا من هذا وذاك؛ لأنه سلَّم أمره لمن بيده الماضي والمستقبل معًا.
والهدى هنا منهج حياة متكامل يُصلح النفس ويهذبها، ويقيم الإنسان على ميزانٍ من العدل والانضباط، ويحرره من التشتت والانفلات، وحين يصدق العبد فى اتباع هذا الهدى، تتبدل نظرته للحياة؛ فيسعى ويجتهد، لكنه يوقن أن النتائج بيد الله وحده، فيهدأ قلبه، وتستقر روحه، وتظهر عليه سكينةٌ خاصة ترشده فى أوقات الشدة وتثبته فى مواطن الاضطراب.
إنها سكينةٌ من نوعٍ آخر…
سكينة لا تمنع وقوع الأزمات، لكنها تمنع انهيار صاحبها، ومن يسلك هذا الطريق لا ينال الأمان فى دنياه فحسب، بل يمتد أثره إلى ما بعد موته؛ لأن مرجعه فى ذلك كله إلى رب العالمين، مالك الأمر كله، والضامن لنجاة من اتبع هداه.
ولهذا فإن هذه الآية منهج حياةٍ لبني آدم جميعًا، وطريقٌ واضحٌ للنجاة والعودة إلى الله.
إن اتباع الهدى هو ذروة اليقين؛ لأنه تسليم القيادة لله، وثقةٌ كاملة فى حكمته وتدبيره. ومن هنا يسير الإنسان فى الحياة ثابت الخطى، مطمئن القلب، لا تزلزله الأحداث ولا تستعبده المخاوف.
أولئك الذين جعلوا هدى الله منهجهم هم وحدهم القادرون على عبور أشد الأزمات، دون أن تحرقهم نيران الخوف أو تغرقهم أمواج الحزن.
فهم الفائزون حقًّا…
الذين لا يجد الخوف إلى قلوبهم سبيلًا، ولا يعرف الحزن طريقًا إلى أرواحهم.
فليس الطريق مجهولًا، ولا النجاة بعيدة؛ وإنما هي خطوةُ صدقٍ نحو الهدى، وعزيمةُ قلبٍ لا يساوم على الحق.



