لا تستكثر أعمالك «٢»

د. أسامة الحديدي 
د. أسامة الحديدي 

بقلم: د. أسامة الحديدي 
مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية 

فى المقال السابق أوصينا المسلم الذى إنتابه بعض التقصير فى شهرِ رمضان، و أصاب أعماله بعض الخلل، ولم يستطع أن يؤدى عباداته أن يسارع بالعودة إلى الله تعالى وإلى قوافلِ وركبِ الذين أعتقهم اللهُ تعالى من النَّارِ، ورزقهم القبولَ، وامتلأت سجلاتُهم بالحسناتِ والثوابِ، وذلك بأن يبادروا بالإكثار من الطاعات والقربات، والاستغفار، والتوبة وأن يجاهدوا أنفسهم وشياطينهم، حتى يكونوا من الفائزين .
وهنا وعلى الجانبِ الآخرِ، أوضِّحُ لمن وفَّقه اللهُ تعالى للصيامِ والصلاةِ والقيامِ والصدقاتِ: إذا أتمَّ اللهُ عليك العملَ الصالحَ ووفَّقك له، فعليك ألَّا تستكثرَ عملَك الذي قمتَ به من الصالحاتِ، بل يجبُ عليك الشكرُ والحمدُ لله سبحانه وتعالى على ما يسر لك من إتمام الصيام والقيام وصالح الأعمال حتى تزداد من فضلِ الله تعالى وعطائه المدرار، فإذا نظرنا إلى رسولِنا ﷺ، وجدناه كان يصلِّي حتى تورَّمت قدماه؛ فلما سألته السَّيدةُ عائشةُ رضي اللهُ عنها عن ذلك، قال لها: «أفلا أكونُ عبدًا شكورًا». ففيما رواه البخاريُّ عن السَّيدةِ عائشةَ رضي اللهُ عنها قالت: «كانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رَسولَ اللَّهِ، وقدْ غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟ قالَ: أفلا أُحِبُّ أنْ أكونَ عَبْدًا شَكُورًا».
أفلا يكونُ رسولُنا الكريمُ ﷺ قدوتَنا وأسوتَنا ونتعلَّمُ منه، وهو من هو صلى اللهُ عليه وآله وسلم؟
لا تستكثرْ عملَك؛ بل تأسَ أيضًا بما كان يفعله صحابتُه الكرامُ من عبادةٍ واجتهادٍ؛ فمنهم من كان يختمُ القرآنَ فى ركعاتٍ من جوفِ الليلِ، وآخرون يصلُّون طوالَ ليلِهم قائمين قانتين، وآخرون يتصدَّقون بفضلِ مالِهم كلِّه ولا يتباطؤون عن إعانة محتاج، أو مساعدة مكروب، وآخرون يذكرون اللهَ كثيرًا ولا يفترون، ومع ذلك كانوا لا يغترون بأعمالهم.
إنَّ أصدقَ دليلٍ على صدقِ الصادقين مع اللهِ تعالى أن يظلوا معه، وألَّا يحيدوا عن صراطه المستقيم وأَلَّا يكونَ منهجُهم فى العبادةِ الاستسلام لفواتِ فرصةٍ؛ فما زال الوقتُ بين يديك ومازال قلبك ينبض وعمرك مازال ممتد، فبادر ولا تكن من الغافلين.
فإن من يعبد الله فى أوقات محددة ومواسم معينة فقط، ثم إذا ما انتهت رجع لما كان عليه؛ فذلك أمر مذموم وهو مما حذَّرنا اللهُ تعالى منه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: 92]. فلا تستَكْثِر أعمالك،  واعلم أنَّ العبرةَ بالمداومة وحُسن الخواتيمِ.