بقلم: د. إبراهيم نجم
المستشار العام لمفتي الجمهورية
لا أكاد أُصدّق حين يُقال لي إن موضوع الهوس بالأنظمة الغذائية موضوعٌ هامشي أو فرعي، شأنه شأن موضة عابرة تشغل مساحات السوشيال ميديا ثم تمضي. فمن يظنّ ذلك لم يتأمل جيدًا فى هذه الظاهرة ولم يقرأ فيها ما هو أبعد من السطح. والحق أن هوس الأنظمة الغذائية فى هذا التوقيت بالذات لَعَلامةٌ من علامات العصر، بل قرينةٌ تكشف عن أزمة حضارية عميقة لا تُختصر فى حسابات السعرات الحرارية.
اقرأ أيضا| حين صار الخداع ترند.. والجهل محتوى
منذ سنوات تكاثرت على الفضاء الرقمي موجاتٌ متتالية من أنظمة الرجيم والتغذية «المثالية»، وأصبح المؤثرون فى هذا الحقل يحظون بملايين المتابعين الذين يُعيدون تشكيل علاقتهم بالطعام لا بناءً على توصيات طبية ولا حكمة ذاتية، بل وفق ما تُمليه الترندات وما تبثّه الخوارزميات. وقد أثبتت الدراسات أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا محوريًا فى نشر هذا الهوس، إذ تروّج لأنظمة بعينها مع تغليفها بهالة من الكمالية الجسدية وما يُسمى بـ«النمط الصحي المثالي». وعندما يتحوّل الاهتمام بالأكل الصحي إلى هوسٍ مرضي يُعرف علميًا بـ«الأورثوريكسيا»، تكون الظاهرة قد تجاوزت حدود الصحة لتصبح اضطرابًا نفسيًا وسلوكيًا بامتياز.
لكن ما يستوقفني حقًا ليس الهوس بذاته، بل التوقيت والسياق الذي يُمارَس فيه. فهذا الهوس لم يظهر صدفةً، بل نبت فى تربة عصر يتّصف بالإفراط فى الاستهلاك المعلوماتي، والاستجابة الآنية، والعجز عن التعمق والتأمل. إنه إفرازٌ طبيعي لما يمكن تسميته بـ«النظام الغذائي المعرفى الفقير».
هنا يكمن قلب الأطروحة التي لا يمكنني أن أُهوّن منها: ثمة تشابهٌ هيكلي عميق بين ما يحدث للجسم حين يتغذى على وجبات سريعة مُصنّعة، وما يحدث للعقل حين يتغذى على محتوى رقمي سطحي متقطع. فكما يُثبت العلم أن النظام الغذائي الغربي القائم على الدهون المشبعة والكربوهيدرات المُكرّرة يُفضي إلى تراجع الوظائف الإدراكية وانحدار الذاكرة، فإن النظام المعرفى القائم على التدفق اللانهائي من المقاطع القصيرة والنزاعات الرقمية والمحتوى المُفرَغ من العمق يُفضي بدوره إلى ما باتت المجلات العلمية تُسمّيه صراحةً «تعفّن الدماغ»، وهي الكلمة التي منحتها أكسفورد لقب كلمة العام لسنة ٢٠٢٤.
والتشابه لا يقف عند هذا الحد؛ فكلاهما يعمل عبر دوائر الدوبامين ذاتها، تلك النواقل العصبية التي تُدمنك على المزيد دون أن تُشبعك حقًا. وقد وثّق الباحثون أن وسائل التواصل الاجتماعي والمحفزات الغذائية تُنشّط المناطق الدماغية ذاتها، مما يعني أن هوس الأنظمة الغذائية الرقمي وهوس التمرير اللانهائي يتغذيان من منبع واحد، هو الفراغ الداخلي الباحث عن إشباع عاجل.
حين أنظر بهذه العدسة إلى بعض القوى الإقليمية والدولية التي باتت قراراتها وخطابها يتسمان بالاندفاعية والسطحية والتناقض الصارخ، لا أستطيع أن أبرأ من الاعتقاد بأن منظومة التغذية المعرفية لصانعي القرار فيها تعاني من خللٍ هيكلي مماثل. لقد تراجع ثقل القراءة والتحليل العميق وطالت المداولة، وحلّت محلها ردود الفعل الآنية على منصات التواصل وسباق الأجندات اليومية. والنتيجة المنطقية لإطعام العقل السياسي بوجبات معرفية سريعة هي بالضبط ما نراه: قرارات متذبذبة، وتحالفات هشّة، ومواقف لا تصمد أمام أول اختبار.
الأخطر فى هذا كله ما تبع هذا الفقر المعرفى من ظاهرة الاستثمار فى الدين لأغراض الاستعراض والمزايدة. فحين يغيب العقل النقدي وتضعف المناعة الفكرية، يصبح الدين فى يد كثيرين لافتةً تُرفع لا عقيدةً تُعاش، وشعارًا يُحقق ترندات لا منهجًا يُهذّب النفس ويُقوّم السلوك. وقد رصد الباحثون كيف أن العصر الرقمي أفرز ما يُسمى بـ«التدين الرقمي» الذي انتزع السلطة الدينية من مؤسساتها التاريخية ومنحها لدعاة يُقاس تأثيرهم بعدد المتابعين لا بعمق العلم. هكذا صار الدين فى كثير من الأحيان مادةً استهلاكية بأثر دوباميني، تُنتج إحساسًا عابرًا بالانتماء دون أن تُبني عقلًا أو تُرسّخ قيمة.
إن ما نواجهه اليوم هو أزمة “النظام الغذائي المعرفي”، وإصلاحها يستلزم ما يستلزمه إصلاح أي نظام غذائي فاسد: إرادةً واعية، وبيئةً صحية، وعودةً إلى الغذاء الأصيل؛ الغذاء الأصيل هنا هو القراءة الرصينة، والتأمل الهادئ، والحوار العميق، واستحضار روح الإسلام التي كانت دائمًا تُجلّ العقل وترفع من شأن التفكر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.



