بقلم: د. إبراهيم نجم
المستشار العام لمفتي الجمهورية
في زمنٍ لم يكن فيه أحدٌ يتجرّأ على التكسّب بالكذب أمام الملأ، خشيةَ الفضيحة، صار اليوم بعضُ أصحاب الشاشات يُقدّمون الزيفَ في أغلفةٍ من الإبهار، ويُسمّون ذلك «محتوى»، ويقيسون نجاحهم بعدد المشاهدات لا بمقدار الحقيقة. وهذا بعينه هو السؤال الذي يضغط على وجدان كل من يُحبّ هذه الأمة ويُشفق عليها: هل باتت السوشيال ميديا مسوّغًا مقبولًا للخداع؟ وهل أصبح الترند مبررًا للتدليس؟
لم تكن الأمم في تاريخها تعبد الأصنام فحسب، بل كانت تعبد الزعيم والقبيلة والهوى. أما في عصرنا هذا، فقد ظهر صنمٌ جديد اسمه «الترند»، يسجد له الناس بإبهامهم كلما مرّ أمامهم منشور، ويُضحّون له بأثمن ما يملكون: عقولهم.
والمشكلة ليست في التقنية ذاتها، فهي وسيلة كغيرها من الوسائل؛ صالحة إن صلح من يستخدمها، فاسدة إن فسد. المشكلة في المنظومة القيمية التي أنتجت إنسانًا يرى في عدد الإعجابات معيارًا للحقيقة، وفي الانتشار دليلًا على الصواب.
وقد زاد الطين بلّة أن بعض هؤلاء ممن يُشكّلون المحتوى لا يخجلون من الخداع صراحةً، إذ يعتقدون في قرارة أنفسهم أن التنافس على الترافيك يُبيح ما لا يُبيحه الشرع ولا تُجيزه الأخلاق. يكذبون بذكاء، ويُضلّلون بأسلوب، ويُوهمون بحجج. والأخطر من ذلك كله أنهم يجدون من يُصدّقهم بالملايين.
قد يقول قائل: إن المشكلة في المُنتِج لا في المُستهلِك. لكن الحقيقة أن الإنسان الذي يمتلك ملكة التمييز لا يُصبح فريسة سهلة لكل ناعق. فما الذي أفقد الناس هذه الملكة؟
الجواب في كلمة واحدة: التعليم. لا التعليم بمعنى الشهادات والمناهج والاختبارات، بل التعليم الحقيقي الذي يُربّي الإنسان على أن يسأل قبل أن يُصدّق، وأن يُمحّص قبل أن يتبنّى، وأن يعرف كيف يُفرّق بين الدليل والادّعاء، وبين العالِم والمُدّعي، وبين الرأي المُعلَّل والهوى المُزيَّف. هذا هو التعليم الذي يُعلّم صاحبه كيف يُدقّق، وكيف يستقبل، وكيف يعقل، وكيف يُميّز، وكيف ينقد. وهو تعليم غائب في معظم مناهجنا، مُهمَّش في ثقافتنا، ومُطارَد أحيانًا من أنظمة تُفضّل المتلقي الساكت على المواطن المُفكّر.
ومن أعظم ما أفرزه هذا الغياب: إنسان لا يملك نسقًا معرفيًّا؛ أي تلك القدرة العجيبة التي تجعل صاحبها يشعر، بلا حاجة إلى تفكير طويل، أن هذا الكلام «هبد»، وأن ذاك الرأي متماسك، وأن هذا الادّعاء مكشوف الخواء. وهي ليست موهبة سماوية خالصة، بل هي نتاج تراكم القراءة والنقد والمقارنة وملازمة العقلاء ومجالسة أهل العلم الحقيقيين.
نعم، الفارق موجود، وهو فارق شاسع، لكنه لا يُرى إلا بعين مُدرَّبة. العلم منهجي، يُصرّح بمصادره، ويعترف بحدوده، ويتحمّل المراجعة والنقد. أما «الهبد» —بكل ما تحمله الكلمة من حيوية وصراحة— فهو ذلك الكلام المُفخَّم المُزخرف الذي يتقن التشبّه بالعلم دون أن يحمل شيئًا من جوهره. وهو كالدرهم الزائف تمامًا: يبدو في ظاهره أصيلًا، لكنه لا يصمد أمام الميزان.
والمصيبة أن بعض الجمهور يُفضّل الهبد على العلم؛ لأن الهبد يُخاطب الغرائز مباشرةً، ويُؤجّج العواطف، ويُقدّم الأجوبة البسيطة لأسئلة معقدة، ويُريح صاحبه من مؤونة التفكير. في حين أن العلم الحقيقي يطلب منك أن تتعب، وأن تشك، وأن تُراجع، وأن تتواضع أمام ما لا تعلمه.
لا علاج قصير المدى يُجدي، غير أن الطريق يبدأ دائمًا من إعادة الاعتبار للعقل بوصفه فريضة دينية قبل أن تكون ضرورة حضارية. فالإسلام دين خاطب العقل منذ أولى آياته: ﴿أفلا تعقلون﴾،
﴿أفلا يتدبرون﴾، ﴿قل هاتوا برهانكم﴾. هذه ليست مجرد آيات تُتلى، بل هي منهج معرفي متكامل يأمر المسلم بأن يطلب الدليل، وألا يقبل الدعوى بلا بيّنة، وأن يكون شاهدًا على ما يُروّجه بقلب يقظ وعقل حاضر.
وعلى المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية أن تُعيد الاستثمار في تكوين الإنسان الناقد، لا في صناعة المُستهلِك الساكت. فمتى أنتجنا أجيالًا تعرف الفرق بين الحجة والدعوى، وبين العالم والمُدّعي، وبين الترند والحقيقة، أدركنا أن السوشيال ميديا لن تصبح فضاءً للخداع إلا إذا أعطيناها جمهورًا مخدوعًا.
وفي نهاية المطاف، ليست المشكلة في الشاشة، بل فيما وراءها: في العقل الذي نُربّيه، وفي الضمير الذي نُشكّله، وفي الإنسان الذي نختار أن نصنعه.



