بقلم/ د. محمد فاروق الشوبكي
إبليس ألزم نفسه القعود لذرية آدم راصدًا أفعالهم؛ بغية إغوائهم عن الطاعات، فناسب هذا القعود وهذه المواظبة الصراط المستقيم.
أما الخليل إبراهيم، فأخذ يدعو أباه بجمل أربع أحاطها بالرفق واللطف ((يا أبت))، سالكًا مسلك المتواضعين، دالا أباه على الصراط السوى (يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَد جَآءَنِي مِنَ ٱلعِلمِ مَا لَم يَأتِكَ فَٱتَّبِعنِيٓ أَهدِكَ صِرَٰطا سَوِيّا) [مريم: ٤٣].
اقرأ أيضًا: الحوار بين الله وإبليس ٣٣
لم يكتف إبليس بهذا القعود، بل تدرج فى الأخبار إلى خبر أهم؛ (ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّن بَينِ أَيدِيهِم وَمِن خَلفِهِم وَعَن أَيمَٰنِهِم وَعَن شَمَآئِلِهِم وَلَا تَجِدُ أَكثَرَهُم شَٰكِرِينَ) [الأعراف:١٧]. فمضمون الجملة المعطوفة أوقع فى غرض الكلام من مضمون الجملة المعطوف عليها؛ لأن الجملة الأولى أفادت الترصد للبشر بالإغواء، والجملة المعطوفة أفادت التهجم عليه بشتى الوسائل.
عبر القرآن عن مجيء إبليس بالإتيان، والإتيان هو مجيء بسهولة، فإبليس لا يجد صعوبة أو مشقة فى الإغواء، ولعل عدم مغالبة إبليس اللعين طبعه وجبلته فى إغواء ذرية آدم، جعلت القرآن يعدل عن (جاء) إلى (أتى) والله أعلم.
وتنحصر أعمال إبليس الحريص على صد السالك على سبيل الله فى أربع جهات: الجهة الأولى: هى جهة ما بين يدى السالك؛ وذلك لصده عن الدخول فى الصراط.
الجهة الثانية: هى جهة ما خلف السالك؛ لجذبه ومنعه من التقدم.
الجهة الثالثة: هى الجهة الواقعة عن يمين السالك؛ لتحويله عن خط السير.
الجهة الرابعة: هى الجهة الواقعة عن شمال السالك؛؛ لتحويله ذات الشمال بعيدا عن الصراط.
وبهذا أبان إبليس خطته فى الحصار الإغوائى، وطوى النص القرآنى حركات الصد والمنع والتحويل عن صراط الله المستقيم؛ لأنها مما يمكن فهمه ذهنًا، فأصول الإغواء ترجع إلى ثلاثة أعمال فى خطة إبليس: الأول: الصد من الأمام، الثانى: المنع والجذب من الخلف، الثالث: التحويل ذات اليمين أو ذات الشمال.



