لم يكن الطعن فى حديث «خير أجناد الأرض» قائمًا على اكتشاف علمي جديد، ولا على سبقٍ حديثي لم يعرفه الأئمة والحفاظ عبر القرون، وإنما تأسس على قراءة مضطربة لعلم الحديث، اختلط فيها الهوى السياسي بالاضطراب المنهجي.
ومن هنا تبدأ القضية الحقيقية: قضية الإمام عبد الله بن لهيعة، الذي جعلته بعض التيارات بوابة للطعن فى الحديث كله، رغم أن مسالك الأئمة فى التعامل معه أعقد وأدق بكثير من هذا التبسيط المخل.
اقرأ أيضًا: منهج أهل الحديث فى إثبات خير أجناد الأرض
وفى هذا المقال نقترب من سيرة ابن لهيعة، ومنهج النقاد فيه، لنكشف كيف تحوّلت قضية علمية دقيقة إلى أداة للهجوم على حديث تلقته الأمة بالقبول عبر قرون طويلة، ونأتي إلى ابن لهيعة؛ قاضي مصر، وعالمها، ومحدّثها، وفقيهها، كان من أوعية العلم وبحوره، وهو مقدم أهل مصر فى الحديث والفقه والفتوى مع الليث بن سعد رحمهما الله تعالى، وكانا فى الحديث كفرسي رهان، بل إن ابن لهيعة فاق الليث بن سعد فى كثرة من أدركه من التابعين وتلاميذ الصحابة، فقد كان طلابًا للحديث جماعة له، وهو صاحب حديث المصريين، وهو أعلم المصريين به، فاختص بأحاديث بلده، ورواة بلده فأتقنهم.
وقد وثّقه أهل مصر، وهم أدرى الناس به وكان كبار المحدثين يتمنون الأخذ عنه. وروى عنه جماعة من كبار الأئمة، من تلامذته الذين رووا عنه الإمام الأوزاعي، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج أمير المؤمنين فى الحديث، ومالك بن أنس إمام دار الهجرة، والليث بن سعد إمام مصر، وعبد الله بن المبارك، وعمرو بن الحارث، وراوي الموطأ يحيى بن يحيى، ومنهم من لم يكن يروي إلا عن ثقة، كشعبة بن الحجاج ومالك بن أنس، فهما أمن فى باب الرواة، يعني إذا رأيت مالكًا وشعبة يرويان عن أي راوٍ، شهادة من شعبة ومالك أن هذا الراوي ثقته، فهذا ابن لهيعة الذي يشكك فيه السلفيون.
ثم خذ من عبارات العلماء فيه: كان ابن لهيعة مشتغلًا بحديث المصريين، وكل من ورد على مصر يفتش عن حديثه. حتى كان يقول: كان لي خريطة أضع فيها القراطيس والدواة والحبر، وأدور على القبائل والمساجد أسأل رجلًا: من لقيت؟ ومن سمعت؟.
قال روح بن الفرج: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعيًا، ولقي الليث اثني عشر تابعيًا. قيل لأحمد بن صالح المصري الحافظ الناقد المتقن: أيهما أحب إليك فى الأداء والرواية، حديث ابن لهيعة الذي رواه الثقات أو حديث يحيى بن أيوب؟ فقال: كان يحيى حافظًا، وفى بعض أحاديثه شيء من النقد، وحديث ابن لهيعة أصح فقيل له فحديث الليث أو ابن لهيعة أيهما يقدم، قال ابن لهيعة راوية المصريين، وأي شيء عند الليث من حديث مصر؟ إذًا يُقدم ابن لهيعة على الليث بن سعد فى إتقان حديث المصريين.
قال قتيبة بن سعيد: حضرت موت ابن لهيعة فسمعت الليث يقول: ما خلَّف بعده مثله، يعني فى العلم والفقه والقضاء وجلالة المعرفة، والليث بن سعد الذي يقول عنه الشافعي: كان الليث أفقه من مالك، هو الذي يشهد لابن لهيعة بذلك.
ونجد إمام أهل العلل والجرح والتعديل الإمام الحافظ علي بن المديني يقول: رجلان هما صاحبا حديث أهل بلدهما: إسماعيل بن عياش، وعبد الله بن لهيعة، وقال الإمام أبو داود: سمعت الإمام أحمد بن حنبل يقول: من كان بمصر يشبه ابن لهيعة فى ضبط الحديث وكثرته وإتقانه، وقال النسائي عن أبي داوود: سمعت أحمد يقول: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة.
وبناءً على هذا، وبعد خوض معترك من كلام أهل الجرح والتعديل، يخلص الإمام الحافظ أبو أحمد بن عدي فى كتابه «الكامل فى الضعفاء»، فيقول عن ابن لهيعة: حديثه أحاديث حسان، وما قد ضعفه السلف هو حسن الحديث، يُكتب حديثه، وقد حدّث عنه الثقات، مثل الثوري وشعبة، ومالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، إذًا أحاديثه حسان، ليس فيها مناكير، لم يقل فى حديث من أحاديثه أنه باطل، كما زعم من ادَّعى ذلك، فهل أصدق الإمام مالك أم شيخ السلفية؟ علمًا بأن هؤلاء اطلعوا على دعوى احتراق كتبه ابن لهيعة، وردّوها كما سيأتي الكلام إلى نصل إلى الحافظ ابن عساكر، الذي يقول عن سفيان الثوري أمير المؤمنين فى الحديث: «عند ابن لهيعة الأصول، وعندنا الفروع»، يعني مصيرنا فى الحديث إليه.
أما دعوى احتراق كتب عبد الله بن لهيعة، فقد وثق المصريون من الحفاظ والنقاد من ناحية، ودفعوا دعوى اختلاطه، وردّوها، وصرّحوا بأن الضعف إنما هو ممن روى عنه، وليس منه.
اقرأ أيضًا: لماذا يكره المتطرفون خير أجناد الأرض ؟
ثم يأتي كلام الأئمة أن حفاظ المصريين، كابن وهب تلميذ مالك، حافظ مصر، كان يوثق شيخه عبد الله بن لهيعة، وأهل الحديث يقولون: بلدي الرجل أعرف بالرجل، يعني جيل الليث بن سعد من المصريين ونقاد الحديث أُطبقوا على جلالته وتقدمه وفقهه وبراعته فى الحديث، وأنه صاحب حديث مصر، وأن ما يثار من دعوى احتراق كتبه باطل، وما يثار من اختلاطه باطل.
وظل عبد الله بن وهب تلميذ مالك وتلميذ عبد الله بن لهيعة إلى موت ابن لهيعة يكتب حديثه ويروي عنه، ولم يتوقف أبدًا من أهل العلم أبدًا عند دعوى احتراق كتبه ولا دعوى اختلاطه.
ونجد أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، يقول: سمعت ابن وهب تلميذ مالك وسأله رجل عن حديث فحدّثه به، فقال له الرجل: من حدّثك بهذا يا أبا محمد؟ قال: حدّثني به والله الصادق البار عبد الله بن لهيعة، قال أبو الطاهر: وما سمعت عبد الله بن وهب يحلف بمثل هذا قط.
قال الإمام يحي بن حسان: ما رأيت أحفظ منه، فقال له ابنه: إن الناس يقولون احترق كتب ابن لهيعة، قال: ما غاب له كتاب يا بني هذا كلام غير دقيق، ولا تسمع لمثل هذا، وقال أبو الأسود النضر بن عبد الجبار: كنا نرى أنه لم يفته من حديث مصر كبير شيء، وقال ابن معين فى تاريخه: قال أبو الأسود النضر بن عبد الجبار المصري، وكان ثقة: ما اختلط ابن لهيعة قط حتى مات.
وهذا عثمان بن صالح السهمي يسأله ابنه يحيى قائلا له: متى احترق دار ابن لهيعة، فقال: فى سنة سبعين ومائة؟ قلت واحترقت كتبه كما تزعم العامة. قال: معاذ الله ما كتبت كتاب عمارة بن غزية إلا من أصل كتاب ابن لهيعة بعد احتراق داره، يعني أصوله حاضرة وموجودة، ونسخنا أصوله الحديثية بعد احتراق داره، وليس فيها اضطراب.
والشبهة التي يبنى عليها هؤلاء طعنهم أن داره قد احترقت، فاحترقت معها نسخه وأصوله وكتبه المسموعة، مما أدى إلى اضطراب رواياته، فيعوّلون على هذا، وبالتالي يسقطون روايات الرجل بالجملة، يقول الأستاذ محمد عمرو عبد اللطيف، من التيار السلفي: ابن لهيعة منكر الحديث، سواء الكتب احترقت أو لم تحترق، كانت الرواية عن قدماء أصحابه أو غيرهم، هو فى ذاته كذلك، لا يقبل له حديث، وسنبين فى المقال القادم كيف يتم النظر فى العلل المذكورة فى عبد الله بن لهيعة؟ وكيف ينتقى القول الراجح المتفق مع الصنعة العريقة التي درج عليها محدثو مصر فى جيل ابن لهيعة؟ وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى.



