الهجرة النبوية أمل جديد يتجدد!!

د. أحمد الطباخ
د. أحمد الطباخ

بقلم: د. أحمد الطباخ

ديننا دين الأمل، فما من آية في كتاب ربنا إلا وتبعث الأمل في النفوس، فما كانت الجنة في الآخرة إلا أملًا لكل مظلوم ومكلوم ومهموم في أن نهاية الأنفاق المظلمة، والليالي الحالكة، والضوائق المحكمة، والأزمات الخانقة سعة وفرج وفرحة، وهذا أمر تؤكده الأحداث، وتصدقه الوقائع، وما حدث لرسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم من أحداث جسام وظلم فادح في مكة، ومعه الصحب المبارك من ثلة من الرجال أصحاب العزائم الفتية والمواقف القوية، فما لانوا ولا استكانوا ولا مالوا، ولكنهم تحملوا وصبروا، ووقفوا وقفة الصمّ الراسخين، وكلهم إيمان بأن نهاية الليل فجر، والظلام نور، والضيق سعة وفرج.

فبعد أن ضاقت صدورهم، وأُوذوا وصبروا، هاجروا وتركوا مكة بكل ما فيها من دار ومال وناس، ومن فيها من أهل وقربى وذكرى، إلى المدينة وهم القلة المستضعفة والفرقة الناجية والرجال العظام، يحدوهم الأمل والإيمان الذي يصنع المعجزات ويبدل الأحوال ويزرع في النفوس دوافع الحياة الطيبة، خرجوا فرادى متسربين ومتخفين بليل أليل، منهم من ترك ما يملك عن طيب خاطر فرارًا بدينه، وهم لا يحملون همّ الغد وما يحمله من مخاطر وأهوال، وإنما اعتمدوا على الله، وتسلحوا بعقيدة لا تعرف سوى الفلاح والصلاح، فليس الغنى عن كثرة الأموال والأعراض، ولكن الغنى غنى النفس.

أقرأ أيضًا| فلا تخضعن بالقول

الأمل هو الذي يجعل النفوس تواقة إلى ما يرفع قدرها، ويحقق لها ما ترجوه من خير، من خلال تلك العقيدة الراسخة التي لم تلن لجبروت كفر وشرك.. رأى أن هذا الدين سيهدم أمجادهم، ويمحو تسلطهم وكبرهم، ورسولهم محمد صلى الله عليه وسلم يخطط ويدبر ويدير معركة البناء والأمل بقوة الإيمان وبثبات الأقدام وبمعية من لا يغفل ولا ينام، ومعه صاحبه ومستشاره الأمين، وبطانته التي أخلصت معه، وكلهم أمل واستشراف لمستقبل عظيم سيجعل هذا الدين يعبر البلاد والقارات بعد أن يرسخ في القلوب بالأخلاق والسلوك القويم.

حتى سراقة عندما اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة ووصل إليه، ولم يكن بين الإقدام عليه سوى أن ساخت أقدام ناقته في رمال الصحراء، خاطبه الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمل والتفاؤل، واستشرف مستقبل هذا الدين عندما يصل إلى الفرس والروم، وينال سراقة أساور كسرى بأمل اليقين في الله.

فلولا الأمل في الله لخاب عمل كل عامل، ولما أتم أحد عملًا. وإنما يطمع المؤمن في كرم ربه عز وجل، التي حرصت كلمات كتابه أن تبث هذا المعنى في كل حرف من حروفه، فما أحوج أمتنا إلى من يبث فيها الأمل الذي يحدوها إلى العلم والعمل، فهما صنوان لا يفترقان، وسر نهضة السابقين.

فهيا نتعلم من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخطط ونعمل ونتعلم، ونبذل كل ما في وسعنا من أجل منفعة الناس أجمعين، فخير الناس أنفعهم للناس.

وكل عام وأنتم بخير، وفي أمل.