وقفات

مشهد مهيب

محمود الامامي
محمود الامامي

مشهد لم تعرف البشرية له مثيلًا، ولن تعرف، ذلك الذي تابعناه أمس الأول عبر شاشات التلفاز، فكيف لهذه الأعداد الغفيرة من الجنسيات المختلفة والأعراق المتباينة أن تلتقي؟ وكيف لكل هؤلاء الذين جاؤوا من كل حدب وصوب أن يجتمعوا في هذا المكان تحديدًا، وفي هذا اليوم تحديدًا؟! إنه حقًّا مشهد إيماني مهيب.

تابعنا وقفة حجاج بيت الله على صعيد عرفات الطاهر، أكثر من مليوني حاج اجتمعوا في مكان واحد وزمان واحد، يرتدون زيًّا واحدًا، لا تمييز ولا تفضيل، لا غني ولا فقير، لا أبيض ولا أسود، لا عربي ولا أعجمي، الكل سواسية، الكل يلبي: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». الكل يدعو ويبكي، نعم، في هذا المقام تُسكب العبرات، وتُقال العثرات، وتُرجى الرحمات.

اقرأ أيضا: الكماليات إلى ضروريات

وقفوا يؤدون ركن الحج الأعظم، كما بيّن الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، فقال: «الحج عرفة»، وهو أكثر يوم يعتق الله فيه الرقاب، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟».

جاؤوا لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، جاؤوا لأداء فريضة الحج امتثالًا لقول المولى سبحانه وتعالى: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ»، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، إن الله فرض عليكم الحج فحجوا».

جاءوا طامعين في غفران الذنوب وتكفير السيئات، جاؤوا يسألون الله الجنة والعتق من النار، إنه يوم عرفة، يوم ليس كمثله يوم، فكما أن ليلة القدر خير ليالي الدنيا، فإن يوم عرفة هو خير أيام الدنيا، فهنيئًا لمن وقفوا على صعيد عرفات وأدوا ركن الحج الأعظم، وهنيئًا لمن تحملوا الصعاب وأنفقوا المال من أجل أداء فريضة الحج، وهنيئًا لكل من كتب الله لهم زيارة بيته وأداء الركن الخامس من أركان الإسلام، ودعوات لكل طامح وطامع أن ييسر الله أمره، وأن يكون من حجاج بيته العام القادم.