العنف ضد المرأة! «٤»

د. رهام سلامة
د. رهام سلامة

بقلم/ د. رهام سلامة

حين نتحدث عن العنف، فإننا لا نقصد مجرد سلوك فردي عابر، بل منظومة من الممارسات والأفكار التي تُنتج الإيذاء وتُبرره أحيانًا، سواء كان هذا الإيذاء جسديًا أو نفسيًا أو اجتماعيًا، والعنف فى جوهره هو استخدام القوة أو التهديد بها لإخضاع الآخر أو السيطرة عليه، فى انتهاكٍ واضحٍ لكرامته الإنسانية وحقوقه الأساسية.  

ومن موقعي كمديرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، لا أتعامل مع العنف بوصفه ظاهرة منفصلة، بل باعتباره أحد أبرز تجليات الفكر المتطرف ومخرجاته المباشرة، فالتطرف لا يبدأ بالسلاح، بل يبدأ بفكرة تُقصي الآخر، وتُبرر الاعتداء عليه، ثم تتحول هذه الفكرة إلى سلوك عنيف فى المجتمع.  

اقرأ أيضًا: العنف ضد المرأة 3

وللعنف بشكل عام، باختلاف أنواعه وصوره، تكلفة إنسانية باهظة الثمن، وتتمثل هذه التكلفة في الآثار الناتجة عنه وما يترتب عليها من خلل في المجتمع على كافة النواحي والمستويات، فمن بينها الآثار النفسية التي تظهر بسبب التراكمات النفسية الناتجة عن كونها مُعَنَّفَة، بدايةً من فقدان ثقتها واحترامها لذاتها، وانعزالها عن وسطها الاجتماعي بسبب ما تشعر به من إحباط وخوف وعجز وكآبة وألم نفسي، ونهايةً بالإدمان أو التفكير في الانتحار وتنفيذه؛ للتخلص من حياتها ووضع حد لما تتعرض له من تنكيل وتعذيب. 

والآثار الاجتماعية التي تمتد لتشمل محيط المرأة، مثل أسرتها ومجتمعها، حيث ترتفع نسب الطلاق، ثم معدلات التفكك الأسري، وما ينتج عنه من تشتت الأبناء واختلال تنشئتهم، وهو ما قد ينتج عنه أجيال فاقدة للثقة في نفسها ومضطربة نفسيًّا واجتماعيًّا، وتميل للعنف والعدوانية تجاه الآخرين، إلى جانب اكتسابهم ثقافة العنف وتطبيقها على المحيطين بهم، وربما الانخراط في صفوف التنظيمات المتطرفة وعصابات الخروج عن القانون. 

الآثار الجسدية، والتي تتمثل في الآثار المادية الملموسة مثل الخدوش والالتواءات والكسور، والعاهات المستديمة، والإجهاض، وهو ما قد يدفع المرأة في بعض الأحيان إلى تعاطي المخدرات والكحوليات في محاولة منها لتقليل الآلام النفسية والبدنية، والانتقام لنفسها بطريقة تؤذي بها نفسها؛ لعدم قدرتها على صد العنف الذي تتعرض له، أو الانكسار والاستسلام تمامًا، لتصبح المرأة في هذه الحالة غير عابئة بأن سلامتها وحياتها في خطر.        

والآثار الاقتصادية: تتأثر الحالة الاقتصادية على مستوى الأفراد والاقتصاد الكلي بالعنف ضد المرأة، فعلى مستوى الأفراد تشير الدراسات إلى أن النساء في الهند، مثلًا، يمكن أن يخسرن ما لا يقل عن خمسة أيام عمل مدفوعة الأجر عن كل حادثة من حوادث العنف؛ وهو ما يعني انخفاض أجر المرأة المُعَنَّفَة هناك بنسبة ٢٥٪.                          

أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فقد أشارت بعض الأبحاث إلى أن تكلفة العنف ضد المرأة يمكن أن تصل إلى نحو ١.٧٥ تريليون دولار، بما يعادل حجم الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول الكبرى، وبما يمثل نحو ٢٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، والبعض يعتبر التكلفة الاقتصادية لهذه الظاهرة، خاصة العنف بين الأزواج، أعلى بكثير من تكلفة الحروب الأهلية.