بقلم: د. رهام سلامة - مدير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف
حين نتحدث عن العنف، فإننا لا نقصد مجرد سلوك فردي عابر، بل منظومة من الممارسات والأفكار التي تُنتج الإيذاء وتُبرره أحيانًا، سواء كان هذا الإيذاء جسديًا أو نفسيًا أو اجتماعيًا. والعنف فى جوهره هو استخدام القوة أو التهديد بها لإخضاع الآخر أو السيطرة عليه، فى انتهاكٍ واضحٍ لكرامته الإنسانية وحقوقه الأساسية.
ومن موقعي كمديرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، لا أتعامل مع العنف بوصفه ظاهرة منفصلة، بل باعتباره أحد أبرز تجليات الفكر المتطرف ومخرجاته المباشرة. فالتطرف لا يبدأ بالسلاح، بل يبدأ بفكرة تُقصي الآخر، وتُبرر الاعتداء عليه، ثم تتحول هذه الفكرة إلى سلوك عنيف فى المجتمع.
اقرأ أيضا|العنف ضد المرأة! «2»
استكمالًا لأنواع العنف التي تحدثنا عنها في المقالات السابقة، يمكننا الإشارة إلى واحد من أكثر أنواع العنف انتشارًا، رغم إغفاله مجتمعيًّا، وهو العنف الثقافي والمجتمعي، ونشير بهذا النوع إلى عنف العادات والتقاليد المتمثلة في الأفكار والثقافات والعادات والتقاليد التي تستهين بكرامة المرأة، وتحد من حريتها، وتهدد استقلاليتها، وتجبرها على فعل شيء دون إرادتها، مثل: إكراهها على الزواج، أو تلبية رغبات المجتمع والثقافة السائدة، لا ما يناسب المرأة وطبيعتها ويحفظ عليها كرامتها.
ومن أبرز صور هذا النوع من العنف «الختان»، الذي يجمع بين كونه عنفًا جنسيًّا ونفسيًّا وجسديًّا مبنيًّا على عادات وتقاليد متوارثة تقوم بتشويه جسد الفتاة بدعوى المحافظة على طهارتها وعفتها، دونما اعتبار للأضرار الجسمانية والنفسية وغيرها التي قد تلحق بالفتاة وتؤثر في مستقبلها. كذلك الحكم عليها بسبب وضعها الاجتماعي، ومحاصرتها ثقافيًّا ومجتمعيًّا بسبب هذا الوضع، خاصة إذا لم تتزوج أو إذا طُلقت، أو في حال إقدامها على فعل أمر لا يتفق مع عادات وتقاليد البيئة التي نشأت بها، حتى ولو كان ما أقدمت عليه لا يخالف الدين والشرع.
كذلك العنف التعليمي والتربوي، فيلاحظ أن نسبة الفتيات الأميات في عدد من الدول أعلى من نسبة الذكور فيها، ومردّ ذلك إلى ما يمكن وصفه بـ»العنف التعليمي»، الذي يمارس فيه السلطةَ وليُّ الأمر، سواء كان أبًا أو أمًّا أو أخًا أو غيرهم، لمنع الفتاة من التعليم أو من استكماله بدعوى الحفاظ عليها أو الخوف من فساد أخلاقها، أو اقتناعهم -وبخاصة في بعض مناطق الريف- أن تعليم الذكور أهم من تعليم الإناث.
وفي حالات أخرى تُحرم الفتيات من تلقي التعليم لأسباب اقتصادية، أو بسبب تزويجها في سن صغيرة. وعلى الجانب التربوي، هناك أسر تفرق في المعاملة بين أبنائها الذكور والإناث، فتتعامل مع الفتاة بأسلوب فيه من القسوة والشدة ما قد يصل حد الإهانة أو الضرب، وذلك بالسماح لأحد الأبناء أو المقربين من الذكور بممارسة هذا العنف بدعوى تقويمها وإصلاحها.
أما العنف الإلكتروني/ الرقمي، فيُقصد به «العنف المتصل بالتقنية؛ وهو جزء من العنف الموجه ضد المرأة في الواقع، ويتضمن مجموعة من الأفعال العنيفة القائمة على النوع الاجتماعي التي تُرتكب أو تُحرَّض أو تتفاقم باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كالهاتف والإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي...».
ويشمل هذا النوع من العنف -إلى جانب التهديد المباشر بالعنف الجسدي أو الجنسي- الابتزاز، والتتبع الإلكتروني، وانتهاك الخصوصية، والتحرش الإلكتروني الذي يشمل إرسال الصور الخادشة، والعبارات الجنسية، والعبارات المسيئة، وغيرها من الصور التي انتشرت مؤخرًا عبر العالم الافتراضي، لدرجة أن امرأة من كل ١٠ نساء في الاتحاد الأوروبي تتعرض للتحرش عبر الإنترنت منذ بلوغها ١٥ عامًا، وأن 60% من مستخدمات الشبكة العنكبوتية في الدول العربية قد تعرضن لهذا النوع من العنف، بالإضافة إلى تعرض نسبة كبيرة من النساء بلغت 85% في بعض البلدان لخطاب الكراهية عبر الإنترنت.



