بعد غد الثلاثين من مايو تحل الذكرى الخامسة لرحيل العالم والمفكر والداعية الصوفى الزاهد الأزهري الرصين، العلامة د. محمد أبو ليلة الذي رحل دون ضجيج، وهو على صهوة جواده مرشداً ومعلماً ومنافحاً، ينشر الوعي الديني الصافي، يحصن العقول ويداوي القلوب، يقف بجوار هذا ويأخذ بيد هذا ويواسي هذا ويدعو بظهر الغيب لهذا، رحل د. أبو ليلة وأنا فى غربتي فى جدة بالمملكة العربية السعودية، بعيد أيام قلائل من آخر اتصال بيننا بعدما اشتد عليه المرض، وكان يقاوم آلامه، ليسأل عني ويدعو لي، فقد كان لي أباً ومنارة وبوصلة منذ لقائي به فى خطواتي الأولى فى حقل الصحافة الدينية عام 1997.
كان د. أبو ليلة يمتلك ميزاناً شديد الحساسية للكلمة، فقد تعلمت منه كيف أضبط لساني، وكيف أحفظ الكلمة، و أحملها من كل جوانبها ومآلاتها، وما أكثر ما سألته عن أشياء فيأتي الجواب بصوته الحاني النافذ إلى القلوب: «هذا ما يضيق به الصدر ولا يتحرك به اللسان.
أقرأ أيضا : محمد أبو ليلة.. كرس حياته للدعوة الإسلامية والتصدى للمستشرقين
يقول د. أبو ليلة فى آخر مؤلفاته ( الإسلام والاتجاهات الفكرية الحديثة) و الذي تركه مخطوطاً، الكلمة أمانة لابد أن نؤدي ما علينا فيها. وهي مسئولية يلزمنا تحملها والوفاء بها. وهي سلاح لا بد أن نجيد استعماله. وهي شهادة تقتضي أن نعدل فى أدائها. وهي وعد، وعهد نقطعهما على أنفسنا ونلتزم بالوفاء بهما. والكلمة قضاء، وحكم ملزم لابد من العدل فيه. والكلمة علم، ومعرفة، وحكمة، ورأي، وفكرة. وهي فتوى أو اجتهاد لابد أن نكون مؤهلين لهما. والكلمة دعوة إلى الخير، وتحذير من الشر. وهي تنوير للعقول، وتحرير لها من الجهل، والأوهام. والكلمة أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ونصيحة. والكلمة وحي أنزله الله؛ بها يُوَحَّد الله، ويُعْبَد فى الأرض. و بالكلمة يتواصل الناس ويتعارفون. والكلمة وسيلة التغيير إلى الأفضل. تغيير الفرد، وتغيير المجتمع، تغيير الظاهر وتغيير الباطن. الكلمة الطيبة وسيلة إلى إصلاح النفس والمجتمع والأمة. وبالكلمة الرشيدة نحمي الدولة من الفساد والاستبداد و نوقظ الهمم الراقدة، حتى تنطلق نحو العمل والتقدم والسعادة والرخاء.
تلك هي الكلمة التي وضع لها د. أبو ليلة فى مسيرته دستوراً وقانوناً ولوائح وضوابط ليبني فهماً أزهرياً خالصاً متصلاً بالمعين الأصيل للدين الحنيف، لبناء إنسان البناء والإعمار والتسامح والتعايش، فالإسلام عنده دعوة إلهية عالمية تخاطب الناس جميعا على جهة التعريف ثم التكليف، وقد جاء هذا الدين لإعلاء كرامة الإنسان، ولإقرار الحق والعدل والمساواة بين الناس جميعا. قام الإسلام على عقيدة التوحيد الخالص لله تعالى، فقد كان التوحيد هو جوهر الشرائع والرسالات لجميع الأنبياء، وكانت دعوتهم جميعاً إلى الخير وتعظيم حرمة الحياة والأحياء.
أقرأ أيضا : د. أبو ليلة والعميد (3)
الإسلام دين الفطرة، لذلك فهو يخلو من التعقيد، ومن الوساطة والوصاية والحرج فى تشريعاته كلها، فعلاقة الإنسان بربه علاقةٌ مباشرة، مبنِيةٌ على العلم والعمل والتيسير، وقد وضع الله تعالى على طريق الدعوة الإسلامية دلائل كثيرة وأنواراً تهدي القلوب والعقول، وتجمعها على الله تعالى، وعلى عمل الخير ونبذ الشر، وهو دعوةُ تواصلٍ بين سائر البشر الذين كرّمهم الله تعالى، ورزقهم من الطيبات، وفضَّلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً.
رحم الله شيخنا ومعلمنا د. محمد أبو ليلة، وجعله فى أعلى عليين، ونفعنا بعلمه وأبوته، وربط الله على قلب رفيقة دربه د. نورشيف عبدالرحيم، وبناته وابنه أحمد، وتلاميذه ومحبيه ومريديه.



