فى رحاب قرية «أبو الغيط»، وُلد د.محمد أبو ليلة، ونشأ فى بيت عريق فى العلم والدين، فكان الأزهر الشريف حلمًا مبكرًا فى وجدانه، وسرعان ما تحقق بدخوله رحابه العامرة، حيث درس أصول الدين، وتدرج فى سلك العلم حتى نال درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر، متخصّصًا فى الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية، ذلك الحقل العلمى الذى لم يكن مطروقًا بكثافة آنذاك، لكنه سرعان ما أصبح رائدًا فيه وأحد أعمدته الأكفاء.
حامل لرسالة جامعة
يقول د.إسماعيل زين خضر، باحث دكتوراه فى الشريعة الإسلامية، وإمام وخطيب مسجد الشهيد بوزارة الأوقاف، ابن شقيقة د. أبو ليلة: تميّز أبو ليلة –رحمه الله -برؤية دعوية قائمة على الحوار الحضارى والانفتاح المعرفي، حيث لم يكن مجرد مترجم للنصوص الإسلامية إلى الإنجليزية، بل كان حاملًا لرسالة جامعة، يُخاطب بها العالم بعقل الإسلام وروحه. وبفضل علمه العميق وإتقانه الباهر للغة الإنجليزية، أصبح صوت الأزهر الشريف فى المنتديات الفكرية والدينية الدولية، حيث ألقى المحاضرات فى جامعات مرموقة، وشارك فى حوارات الأديان، وكان ضيفًا دائمًا فى المؤتمرات التى تعقدها الكنائس والجامعات الغربية لبحث صورة الإسلام وقيمه الكبرى.
مناصب علمية مرموقة
ويضيف د.إسماعيل زين خضر، بقوله، وقد شغل د. أبو ليلة مناصب علمية مرموقة، من أبرزها: أستاذ الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية بكلية اللغات والترجمة – جامعة الأزهر، ورئيس قسمها لسنوات طويلة، وعضوية المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والمجلس القومى للترجمة، ورئيس مجلس إدارة جمعية (التواصل الحضارى والحوار مع الآخر)، ومؤسس المعهد العالى لدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية، إلى جانب عمله محاضرًا زائرًا فى جامعات المملكة المتحدة وماليزيا ونيجيريا والولايات المتحدة، وغيرها من الدول التى شهدت بعلمه واعتداله وتمثيله المشرّف للأزهر الشريف.
إثراء المكتبة الإسلامية
ويكمل د. عادل عبد القادر، رئيس شبكة إذاعة القرآن الكريم السابق، أن د. محمد أبوليلة لم يكن خطيبًا بليغًا وداعية متميزًا فحسب، ويقول: بل كان أيضًا مفكرًا غزير الإنتاج، خلّف إرثًا علميًا ثريًا تنوع بين التأليف والترجمة والتحقيق. ومن أبرز مؤلفاته التى أثْرى بها المكتبة الإسلامية: «ترجمة معانى القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية»،«أسس الدعوة الإسلامية» باللغة الإنجليزية: كتاب علمى وتربوى يُدرَّس فى الأزهر، يُعِدّ الدعاة لتبليغ الإسلام بلغة معاصرة ومنهج وسطي.»المرأة فى الإسلام» (بالإنجليزية): دراسة معمّقة ترد على الشبهات المثارة حول حقوق المرأة، وتعرض الرؤية الإسلامية الأصيلة بلغة منصفة علمية. «مفاهيم خاطئة عن الإسلام» مؤلف بالإنجليزية يُخاطب غير المسلمين، يرد فيه على التصورات المغلوطة التى رُوّجت عن الإسلام، ويشرح المفاهيم الجوهرية بطريقة مبسطة.«الإسلام والتسامح الديني» دراسة تؤرخ لحضور التعدد الدينى فى الحضارة الإسلامية، وتُبرز الأسس القرآنية فى احترام الآخر.بالإضافة إلى عشرات المقالات العلمية المحكمة باللغتين العربية والإنجليزية، والتى نُشرت فى دوريات علمية دولية، وغطّت موضوعات مثل: الإسلام والغرب، الحوار بين الأديان، حقوق الإنسان فى الإسلام، وتحديات الخطاب الدعوى المعاصر.
ويضيف د.عادل عبد القادر، ويقول: لقد تميزت مؤلفاته بأسلوب علمى رصين، يتكئ على النص الشرعى دون إغفال متغيرات العصر، وحرص دائم على مخاطبة العقل والقلب معًا، ما جعلها محل تقدير الأكاديميين والدعاة على السواء.
نموذج مشرق للعالِم
وتكمل أ.د. نور شيف رفعت، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، وزوجة عالمنا الجليل-رحمه الله- وشريكة رحلته، وتقول فى حزن شديد: فى الثلاثين من مايو 2021، ودّعت مصر والعالم الإسلامى د.محمد أبو ليلة، حيث شُيّعت جنازته من مسجد السيدة نفيسة إلى قريته «أبو الغيط» بمحافظة القليوبية، وسط حضور حافل من العلماء وطلابه ومحبيه، الذين بكوا رحيل العالِم المربّي، والداعية الصادق، والمفكر الكبير.
ذكرى وأثر لا يغيب
وفى الختام تؤكد د. نور شيف رفعت، أنه رغم مرور أربع سنوات على رحيله، لا تزال صدى كلماته حيًّا فى قاعات العلم، وعلى منابر الدعوة، وفى كل حوار بنّاء بين الإسلام والعالم الغربي. وتقول: لقد جسّد د. محمد أبو ليلة الصورة المشرقة للعالِم الأزهرى الذى يتقن لغة الآخر دون أن يتنازل عن ثوابته.
رحم الله د. محمد أبو ليلة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأبقى علمه صدقة جارية تنير الدرب لمن يطلبون الهداية.



