بقلم: د. محروس بُريّك
في قوله تعالى في سورة الأحزاب: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) الأحزاب:10.
اقرأ أيضا| فى بلاغة الفواصل القرآنية «2»
جاءت الفاصلة موصولة بالألف، لا من أجل أن يتساوى مقطع هذه الفاصلة مع بقية مقاطع فواصل السورة، بل لغرض دلالي؛ إذ إنّ في مَدّ الصوت بالألف عند الوقف إشارةً إلى إطلاق تلك الظنون والذهاب بها كلَّ مذهب، ولِمَ لا وقد جاءهم الأحزاب من كل حَدَبٍ وصوب وبلغت القلوب الحناجر.
ويؤكد ذلك ورود المصدر جمعًا، والمصادر تُجمَع إذا اختلفت أجناسها؛ إذ كان بين المسلمين منافقون ظنوا أن المسلمين يُستأصلون، ومؤمنون ظنوا أنهم يُنصرون، فناسب سياق السورة الإتيان بألف الوصل لتؤكد إطلاق تلك الظنون المتباينة.
وفي قوله تعالى في آخر سورة الأحزاب: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا.
وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) الأحزاب: 66-67، نجد أن السياق يرشح إتيان الفاصلة في الآيتين موصولة بالألف، لا من أجل أن تتساوى المقاطع وتتناسب نهايات الفواصل، بل لغرض معنوي أيضًا؛ إذ الكلام على لسان الكافرين وهم يصطرخون في نار جهنم، ويمدون أصواتهم بالعويل، نادمين، ولاتَ ساعةَ مندمٍ، على عدم اتباع الرسول، وطاعة سادتهم الذين زينوا لهم الباطل فأضلوهم سبيل الحق.
ففي زيادة الألف إطلاقٌ للصوت حكايةً لمد أصواتهم بالاصطراخ والعويل، وتجسيدًا للمشهد وكأننا نبصرهم يتقلبون في نار جهنم ونسمع صراخهم وبكاءهم.
أما في قوله تعالى في سورة الأحزاب نفسها: (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) الأحزاب: 4 وقوله في سورة الفرقان: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) الفرقان:17، فجاءت الفاصلة غير موصولة بالألف (بِيل) في حين أن آياتِ السورتين جميعَها - عدا هاتين الآيتين - جاءت موصولة بالألف، ولو كان تساوي المقاطع وتناسب الفواصل هو الغرض الأوحد لَلحِقَت ألفُ الوصل هاتين الفاصلتين، كما لحقتها في آية سورة الأحزاب نفسها في قوله تعالى: (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) الأحزاب:67.
وكذلك الأمر في سورة الفرقان؛ إذ وردت كلمة (سبيلا) نكرة موصولة بالألف أربع مرات في السورة نفسها هي قوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) الفرقان: 27، (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا) الفرقان:34، (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا) الفرقان: 42، (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) الفرقان: 44.
لكن لما كان المعنى هو المقصود الأول للقرآن وردت كلمة (السبيل) في هاتين الآيتين معرفة بالألف واللام؛ لأن سبيل الحق سبيل واحد معروف، ولا سبيل غيره؛ إنه ذلك السبيل الذي يهدي إليه الله عز وجل من يشاء من عباده (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) الأحزاب: 4، أما سبُل الضلال فكثيرة متشعبة لا تفضي بصاحبها إلا إلى الضلال. فلما كان سبيل الحق يخالف تلك السبل جاءت الفاصلة مخالفة لتلك السبل إيقاعيا - في سورتي الفرقان والأحزاب - لتتأكد المفارقة بين سبيل الحق وسبل الضلال.
ولم تدخل ألف الوصل في (السبيل) كما دخلت في (السبيلا) في آخر سورة الأحزاب لأن السياق هناك سياق خاص هو سياق مد الصوت بالعويل والاصطراخ في جهنم كما أوضحنا، ولألف الوصل فيه دلالة خاصة تتفق مع ذلك السياق.



