تحت لواء القرآن

فى بلاغة الفواصل القرآنية «2»

د. محروس بُريّك
د. محروس بُريّك

بقلم: د. محروس بُريّك

 ليست فواصل القرآن مقصورة على مجرد مراعاة تناسب الوقع الصوتي، بل يتحقق بها معنى دلالي يكمن خلف اختيار فاصلة دون غيرها، ولسياق السورة أثر فى بيان ذلك المعنى أو الإيحاء به على أقل تقدير. ولا شك أن ورود فاصلة منفردة فى بعض السور يؤكد أن المعنى هو غرض الفواصل، لا التناسب الصوتي فحسب، على أهميته. 

اقرأ أيضا| فى بلاغة الفواصل القرآنية (1)

وقد أفردتُ للفاصلة المنفردة فصلا فى كتابي (نظم القرآن) وأعني بها أن ترد فاصلة ليس لها نظير فى بقية السورة من حيث: الإطلاق والتقييد، أو حرف الفاصلة (وهو ما يقابل الروي فى الشعر)، أو الردف (حرف العلة الذي يسبق حرف الفاصلة) نحو الياء فى (الرحيم)، والواو فى (الغفور)، والألف فى (أوَّاب). والتأسيس (ألف تقع قبل الروي، وبينها وبينه حرف واحد)، نحو الألف فى (واقع) و(دافع). وقد يتحقق انفراد الفاصلة بأحد تلك الأنواع أو باجتماع بعضها فى فاصلة واحدة.


ولو وقع الانفراد فى قافية الشعر لعُدَّ عيبًا، لكنه لا يُعد عيبًا فى الفاصلة؛ ذلك لأنّ مبنى الفواصل على المعنى، ومبنى القوافى على الإيقاع، ومن ثمّ جاز الانتقال فى الفاصلة من نوع إلى آخر بخلاف قافية القصيدة؛ ومن ثم ترى (ترجعون) مع (عليم) و(الميعاد) مع (الثواب)، و(الطارق) مع (الثاقب)، وللسيوطي فى ذلك كلام مفصل فى كتابه الإتقان فى علوم القرآن فليرجع إليه.
لقد رأى فريق من العلماء أن إلحاق ألف الإطلاق فى فواصل الآيات- كما فى سورة الأحزاب على سبيل المثال- غرضه تساوي المقاطع وتناسب نهايات الفواصل، وذلك فى قوله تعالى فى سورة الأحزاب: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) الأحزاب:10، وقوله تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا* وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) الأحزاب:66-67.
والحق أنه لو كانت ألف الإطلاق فى هذه الآيات لمجرد تساوي المقاطع وتناسب الفواصل للحقت ألف الإطلاق فاصلة الآية الرابعة فى السورة نفسها فى قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) الأحزاب:4، وبخاصة أن كلمة الفاصلة هنا هي الكلمة نفسها التي لحقتها الألف فى الآية السابعة والستين. لا شك أن هناك أغراضًا دلالية وراء كلا الأمرين: ورود الفاصلة مقيدة أو مطلقة بالألف أو الواو أو الياء أو الهاء؛ وبخاصة إذا ما ورد التقييد والإطلاق فى سورة واحدة.
إن النظر المجمل إلى تعريف الفاصلة على أنها »قرينة السجع فى النثر وقافية البيت فى الشعر» كان سببا رئيسا فى محاولة رد أمثال تلك الفواصل إلى مراعاة التناسب الإيقاعي كما هو الحال فى الشعر والنثر المسجوع؛ لذا نظر أصحاب هذا الرأي إلى حروف الوصل فى فواصل القرآن نظرَتَهم إلى حروف الوصل فى الشعر. والحق أن هذا اللزوم متحقق فى كثير من سور القرآن، إلا أن هناك مواضع عدل القرآن فيها عن الفاصلة المطلقة -فى السورة الواحدة بل فى القصة الواحدة- إلى الفاصلة المقيدة، والعكس، كما فى موضع سورة الأحزاب السابق. ولا شك أن لهذا العدول الإيقاعي دلالات أو إيحاءات يحددها سياق الآيات السابقة واللاحقة، وذلك ما سندلل على صدقه فى مقالات لاحقة إن شاء الله.