تحت لواء القرآن

فى بلاغة الفواصل القرآنية (1)

 د. محروس بُريّك
د. محروس بُريّك

بقلم: د. محروس بُريّك

للفاصلة القرآنية تعريفات، أهمها ثلاثة: قيل: هي كلمة آخر الآية كقافية الشعر، وقيل: كلمة آخر الجملة، وقيل: الفواصل حروف متشاكلة فى المقاطع يقع بها إفهام المعاني. وهذا الاختلاف فى تعريف الفاصلة مَرَدُّه إلى اختلاف زوايا النظر إليها، وغرض كل باحث من دراستها؛ فمن نظر إليها من الجانبين النحوي والصرفى عرَّفها بأنها كلمة آخر الآية أو آخر الجملة، ومن نظر إلى الجانب الصوتي عدَّها مجموعة من المقاطع.

اقرأ أيضا| نمطٌ خفيٌّ من الدلالة على الإنكار في القرآن
 

والمقاطع هي ما تقابل تعريف الخليل بن أحمد للقافية؛ وهي (مجموع آخر ساكنين فى البيت الشعري وما بينهما من متحركات إن وجد والمتحرك الذي قبل الساكن الأول). بيان ذلك أن القافية مثلا فى قول الشاعر: (وإنّي وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ/ لآتٍ بما لم تستطعه الأوَائِلُ) هي (وَائِلُو) حركة فساكن فحركتان فساكن.
 ومن ثَم فالفاصلة فى القرآن هي ما يوازي هذه المقاطع، مع الأخذ فى الاعتبار أن مبنى الفواصل على الوقف؛ ففى قوله تعالى: (الحمدُ للهِ ربِّ العَالَـمِيْنَ) نجد أن الفاصلة هي المقطع (مِيْنْ)، وهكذا بقية السورة مبنية على هذا المقطع الصوتي: «الرحمن الر/حيم/، مالك يوم الـ/ـدين/، إياك نعبد وإياك نستـ/ـعين/...». وفى قوله تعالى (والشمس وضُـحَاهَا) تتمثل الفاصلة فى المقطع (حَاهَا)، وهكذا بقية السورة: (والقمر إذا تـ/ـلاها/، والنهار إذا جـ/ـلاها/، والليل إذا يغـ/ـشاها/ ...).
وانقسم الباحثون فى تناول تلك الفواصل القرآنية فريقين؛ فيرى فريق منهم أن للفواصل القرآنية قيمةً جماليةً إيقاعيةً، وأنها لا تدل بالضرورة على معنى؛ ويعد الفرّاء أول من أشار إلى تلك القيمة البديعية للفاصلة، فيرى أن الفعل (قلى) فى قوله تعالى فى سورة الضحى: {ما ودعك ربك وَمَا قَلَى} قد  حُذفت منه الكاف والأصل (قلاكَ)، كما يقال: «قد أعطيتك وأحسنتُ ومعناه: أحسنت إليك، فتكتفى بالكاف الأولى من إعادة الأخرى، ولأن رؤوس الآيات بالياء»، ويحكي السيوطي عن شمس الدين بن الصائغ قوله: «اعلم أن المناسبة أمر مطلوب فى اللغة العربية يرتكب لها أمور من مخالفة الأصول. قال (يعني ابن الصائغ): وقد تتبعت الأحكام التي وقعت فى آخر الآي مراعاة للمناسبة فعثرت منها على نيف عن الأربعين حكما» ثم فصل القول فى تلك الأحكام. وتابع الزركشيُّ ابنَ الصائغ فأورد اثني عشر حكمًا من تلك الأحكام رادًّا إياها إلى (تساوي المقاطع وتناسب نهايات الفواصل).
ولعل أصدق تعبير عن هذا الرأي قول الدكتور تمام حسان: «الفاصلة القرآنية لا تدل بالضرورة على تمام المعنى؛ ومن ثم تصبح وظيفتها فى القرآن غير نحوية ولا دلالية... وأغلب الظن أن الغرض منها جمالي صرف وإن توافقت أحيانا مع المعنى. فالذي يبدو للوهلة الأولى عند النظر إلى الفاصلة أنها قيمة صوتية جمالية ترتبط أشد الارتباط بموسيقى النص القرآني». 
والحق أن فواصل القرآن لا تقتصر على مراعاة حسن النظم وجمال النسق الصوتي فحسب، بل راعت مع ذلك جانب المعنى، فجمعت إلى جمال الوقع الصوتي حسنَ النظم التركيبي وبلاغةَ المعنى الدلالي. وعلى حد تعبير بنت الشاطئ «أنه ما من فاصلة قرآنية لا يقتضي لفظها، فى سياقه، دلالة معنوية لا يؤديها لفظ سواه. قد نتدبره فنهتدي إلى سره البياني، وقد يغيب عنا فنُقِرُّ بالقصور عن إدراكه». وذلك ما سنعرض له فى مقالات لاحقة إن شاء الله.