من بلاغة آيات الحج والعمرة في القرآن الكريم (1)

د. سلامة داود
د. سلامة داود

بقلم: د. سلامة داود

رئيس جامعة الأزهر

اللهم لك الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آله وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اقرأ أيضا| الأزهر وصناعة الوعي

يتناول هذا المقال حديث الكتاب العزيز عن الإفاضة من عرفات، والأمر بذكر الله تعالى عند المشعر الحرام، قال تعالى:
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ  فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 198، 199].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كانت عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أسواقًا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثَّموا من التجارة فيها، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ في مواسم الحج»، قرأ ابن عباس كذا.
«مخالفة هَدْي أهل الشرك» مَعْلَمٌ دالٌّ على استقلال الأمة:
ذِكْرُ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ بين يدي الحديث عن يوم عرفات في قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ فيه دلالة على «مخالفة هَدْي أهل الشرك»؛ لأنهم حرَّموا التجارة في ذي الحجة، وكان تحريمهم لها يوم عرفة أشد، فأحلَّ الله تعالى التجارة في موسم الحج كله، حتى في يوم عرفة.
ومن «مخالفة هَدْي أهل الشرك» في هذه الآية مخالفة قريش الذين كانوا يقفون بمزدلفة، ويُسَمُّون أنفسهم «الحُمْس»، بينما يقف سائر العرب بعرفة، فخالفت الآية كفار قريش وردَّت الوقوف إلى عرفة.
كما خالف الرسول صلى الله عليه وسلم العربَ في وقت الإفاضة من عرفة ومزدلفة، فقال صلى الله عليه وسلم في خطبته بعرفة: «أما بعد، فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هاهنا عند غروب الشمس، حين تكون الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها؛ فهَدْيُنا مخالف لهديهم. وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها؛ فهَدْيُنا مخالف لهديهم».
و«مخالفة هَدْي أهل الشرك» مَعْلَمٌ من معالم الشريعة، دالٌّ على استقلال الأمة، وهو منهج قويم ينبغي أن نُنَشِّئ عليه الأجيال المسلمة؛ حتى نغرس في نفوسها معنى وحدة الأمة وعزتها واستقلالها، فلا تذوب في أمم غير أمة الإسلام، وتصبح مَسْخًا بلا هوية، ثم تتنكر لأمتها، فتضيع ويصير هَدْيُها هَدْيَ أهل الشرك.
لما نهت الآية السابقة عن الجدال في الحج، وكانت التجارة يكثر فيها الجدال والمنازعة في الأسعار، جاء قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ كاشفًا عن حل التجارة في الحج، كما أن الآية السابقة خُتِمَتْ بطلب التزود من التقوى، والتجارة تشغل عن هذا التزود، وقد كان أهل الجاهلية يحرِّمونها في الحج، وهذا في ظاهره شيء حسن؛ لأنه يُفَرِّغُ الحاج لعبادته، فاستدعى ذلك بيان حكم التجارة في الحج.
وهذه الآية هي الموضع الثاني الذي استُعمل فيه نفي الجناح في آيات الحج والعمرة، والموضع الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]؛ ولعل ذلك لأن المؤمنين في الموضعين كانوا يتحرجون ويظنون أن فيما يُقْدِمُون عليه إثمًا: تحرجوا من السعي بين الصفا والمروة لوجود صنم على كل منهما يطوف به المشركون، وتحرجوا من التجارة لأنها تشغل عن التفرغ للحج؛ فرُوعِيَ ذلك في خطابهم بنفي الجناح، أي نفي الإثم ورفع الحرج؛ فهذا أنسب من التعبير بأسلوب الأمر الصريح، كأن يقال: اطَّوَّفوا بالصفا والمروة، واتَّجِروا في الحج. فقُدِّمَ في الآيتين نفي الحرج، وجُعِلَ دليلًا على الحل والإباحة، فأعطى الحكم بعدما سلَّ سخائم الصدور، وقطع وافد الظنون.