بقلم: د. سلامة داود
رئيس جامعة الأزهر
الحمدُ للهِ الذي جعل الأزهر الشريف كعبةً للعلم، تَهوي إليه الأفئدةُ من كلِّ فجٍّ عميق، والحمدُ للهِ الذي مَنَّ علينا بشرف الخدمة فيه، والعيش فى رحابه.
اقرأ أيضا| التعليم يبني الإنسان والأوطان
طلابُ الأزهر هم سفراؤه، ومعاهدُه وجامعاتُه فى كل دولةٍ من دول العالم؛ ينشرون فكره الوسطيَّ المعتدل، ويحملون مصابيح الهداية ومشاعل النور إلى الناس كافة. وقد أعدَّهم الأزهر لذلك إعدادًا محكمًا، فكان شريكًا لهم فى كل علمٍ ينشرونه، وما أتوا واديًا، ولا نشروا معرفةً، إلا وكان للأزهر نصيبٌ من أجرها ونورها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من جهَّز غازيًا فى سبيل الله فقد غزا». وإذا كان للأزهر فضلٌ عليهم، فإن لهم كذلك فضلٌ عليه بنشر فكره القويم وهديه السمح فى أرجاء العالم، اقتداءً بقول بعض علمائنا: «ما من أحدٍ إلا وللشافعي عليه فضل، إلا البيهقي؛ فإن له الفضل على الشافعي لنشر مذهبه».
قُم فى فمِ الدنيا وحيِّ الأزهرَا
وانثر على سمعِ الزمانِ الجوهرا
واجعل مكانَ الدُّرِّ إن فصَّلتَهُ
فى مدحِه خرزَ السماءِ النيِّرا
واذكره بعد المسجدين معظِّمًا
لمساجدِ الله الثلاثةِ مكبِّرًا
واخشع مليًّا واقضِ حقَّ أئمةٍ
طلعوا به زهرًا وماجوا أبحرًا
كانوا أجلَّ من الملوك جلالةً
وأعزَّ سلطانًا وأفخمَ مظهرًا
وللعالم الجليل محمد الغزالي كلمةٌ جليلة يقول فيها: «إن الأزهر مصنعُ الأدوية لعلل الأمة، فإذا غُشَّت الأدوية التي يُصدِّرها المصنع، فإن العلل ستبقى مضاعفة». ومن هنا كانت العناية بالأزهر عنايةً بالدين ذاته، حتى قال شيخنا أبو موسى – أطال الله فى عافيته –: «إن الإصلاح فى الأزهر كالإصلاح فى الحرم»، سمعته أذناي ووعاه قلبي.
إن من يقرأ التاريخ، ويتأمل الواقع المعاصر للأمة الإسلامية مثنى وثلاث ورباع، يوقن أن وحدة الأمة – التي تجاوزت اليوم ملياري مسلم – هي تاج عزتها وسر قوتها، وهي الروح السارية فى جسدها. ولهذا كرر القرآن الكريم الدعوة إلى الوحدة، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92)، وقال: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52). وقد كان الأزهر، ولا يزال، من أعظم الداعين إلى جمع الكلمة، والساعين إلى وحدة الصف، وهو ما يعمل عليه فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب فى الداخل والخارج. وما تكالبت علينا الأمم إلا حين أصابنا التفرق؛ كما قال شيخ العربية محمود شاكر: «إن قضية الشعوب العربية والشرقية والإسلامية قضية واحدة؛ فاكتبوا هذه الكلمة فى كل مكان، ورددوها بكل لسان، واهدِروا بها هدير الأمواج فى البحار المظلمة؛ فإنها كلمة النجاة لكم ولشعوبكم وللناس جميعًا».
ولا سبيل إلى النصر والعزة والتمكين إلا بالوحدة وامتلاك أسباب القوة؛ فالدنيا – كما قال المتنبي – لمن غلب. وإن تحقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اليد العليا خير من اليد السفلى» لا يكون إلا بأن تكون اليد العليا فى العلم هي التي تُنتج المعرفة لا التي تتسوّلها، وأن تكون اليد العليا فى الاقتصاد هي التي تملك أدواته، وكذلك فى سائر شؤون الحياة: فى الصحة والزراعة والصناعة والتجارة. ومن هنا، فلا سبيل إلى نهضة بلادنا وجامعاتنا ومعاهدنا إلا بإنتاج المعرفة، وهو الدور الذي ينبغي أن ينهض به الأزهر ويُعِدَّ له طلابه، مهما اختلفت آراؤنا ومشاربنا؛ فالأمر – كما قال الشاعر –:
عباراتُنا شتّى، وحسنُك واحدٌ
وكلٌّ إلى ذاك الجمال يشير
ومن ثم، فإن دخول ساحة الابتكار وإنتاج المعرفة لم يعد ترفًا، بل ضرورة، ينبغي أن يخوضها أبناء الأزهر بقوة، منافسين العالم بأفضل ما تنتجه العقول. وقد علمتنا العرب فى أمثالها فقالت: «زاحِمْ بعَوْدٍ أو فَدَعْ»، أي لا تُنافس إلا بما له قدرٌ ونفع.
وعلينا أن نوقن أن الخمول أخو العدم، وأن إبطاء ساعةٍ يفسد تدبير سنة، وأن العلم لا يُدرك براحة الجسد. كما ينبغي أن نعي أن تربية جيلٍ أقل من مستوانا حكمٌ بالتخلف، وتربية جيلٍ فى مستوانا حكمٌ بالتوقف؛ فلا مفر من إعداد جيلٍ يفوقنا علمًا ووعيًا. وهذه كلمة شيخنا الدكتور محمد أبي موسى – حفظه الله –. وإن أعداءنا يُنشئون أجيالهم على القوة والجد ومعالي الأمور، فحريٌّ بنا أن نصنع مثل ذلك، وألا نترك أبناءنا نهبًا للضعف والعجز والانشغال بسفاسف الأمور؛ حتى لا نكون – كما قال شاعر النيل –:
وزعيمُهم شاكي السلاحِ مُدجَّجٌ
وزعيمُنا فى كفِّه منديلُ



