من مختلف بلدان العالم، توافدت أفواج الحجاج إلى مكة المكرمة، أطهر بقاع الأرض وأشرفها، قاصدين بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، الركن الخامس من أركان الإسلام. ذلك الركن العظيم الذي تتجلى فيه أسمى معاني العبودية الخالصة، وتلتقي فيه شعائر الإسلام في مشهد إيماني فريد، يجتمع فيه القلب والروح والجسد في طاعة واحدة، كلها شوقٌ ورجاءٌ وتلبيةٌ لنداء الرحمن.
اقرأ أيضا| لا تقنطوا من رحمة الله
وفي الحج يعلن المسلمون توحيدهم لله سبحانه وتعالى، ملبّين نداء الإيمان، ومجددين العهد بالعبودية الخالصة لله وحده، حيث تُؤدى فيه الصلاة طاعةً وخشوعًا، ويُبذل المال حبًا في الله وابتغاء مرضاته، ويتجلى فيه معنى الجهاد بالصبر وتحمل المشقة، والتقرب إلى الله بكل ما يحب ويرضى سبحانه وتعالى. ولذلك فإن من كتب الله له أداء هذه الفريضة العظيمة، عليه أن يُخلص النية لله تعالى وحده، وأن يحمده ويشكره على هذه النعمة الجليلة التي اصطفاه بها، شكرًا يليق بجلاله وعظيم فضله.
والحج في حقيقته ليس مجرد شعيرة، بل هو مدرسة إيمانية وروحية متكاملة، تُصقل فيها النفوس، وتسمو فيها الأرواح، وتطمئن فيها القلوب، وتتهذب فيها المشاعر، وتزداد فيها المعاني الإيمانية رسوخًا ونقاءً. كما يُعد موسمًا عظيمًا لتوحيد المسلمين، حيث تتجلى وحدة الأمة في أبهى صورها، من خلال وحدة المناسك والمشاعر والقصد والسعي والقول والدعاء؛ فجميعهم يطوفون ببيت واحد، ويعبدون ربًا واحدًا، ويتبعون نبيًا واحدًا صلى الله عليه وسلم، ويسيرون على منهج واحد لا تفرقه الحدود ولا الفوارق.
ومن أعظم حكم الحج ومقاصده أنه يذكر العبد بالآخرة وموقفه بين يدي الله يوم القيامة؛ إذ تتجمع الحشود في زي واحد، متجردين من مظاهر الدنيا، مكشوفي الرؤوس، خاشعين لله من شتى الأجناس واللغات، في مشهد مهيب يفيض خضوعًا وطمأنينة.
هذا المشهد العظيم يُجسد صورة من صور الوقوف بين يدي الله يوم القيامة، حفاةً عراةً، خائفين وجلين، مما يغرس في قلب الحاج معاني الخوف من الله ومراقبته، ويزيده إقبالًا على التفقه في الدين، والسعي إلى العبادة على بصيرة ويقين.
اللهم إن لم نكن ممن كتبت لهم أداء هذه الفريضة العظيمة، فنسألك بفضلك وكرمك أن تكتب لنا الحج إلى بيتك الحرام، ولكل من يشتاق قلبه إليه، وأن ترزقنا زيارة مسجد نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأداء مناسك الطواف والسعي والوقوف بعرفة، وأن لا تحرمنا لذة الوقوف بين يديك في أطهر البقاع وأعظمها.



