بعض القول

الأسرة الأسرة (٤)

حازم عبده
حازم عبده

من الجوانب بالغة الأهمية التي تطرق إليها المؤتمر الدولي السادس لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بالقاهرة، في أبريل الماضي، تحت عنوان: (نحو بناء مجتمعٍ متماسك: حماية كيان الأسرة في مواجهة التحديات المعاصرة)، الجانب الاقتصادي في بناء الأسرة، وهو جانب أساسي في استقرار الأسرة لمواجهة الواقع ومتطلباته، في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية والمحلية، وحالة عدم اليقين باستدامة أي دخل يضمن للأسرة الصمود.

اقرأ أيضا| الأسرة الأسرة (١)

وقد حاول مؤتمر كلية الشريعة والقانون تقديم بعض الحلول لدعم الأسرة المصرية حتى تتمكن من الصمود في وجه المتطلبات التي لا تهدأ، مع ظروف الدولة التي تجعلها غير قادرة على الاستمرار في الدعم المباشر، وذلك من خلال الاستفادة من أدوات الاقتصاد الإسلامي؛ مثل: الزكاة والوقف، والتوظيف المالي في دعم الأسر المتضررة من التضخم، وبما يخفف العبء عن القضاء والأسرة والدولة، وكذلك التأكيد على ضرورة التكامل بين السياسات الاقتصادية والتشريعات الأسرية، بحيث تُصاغ القوانين الأسرية في ضوء الواقع الاقتصادي المتغير؛ تحقيقًا لمبدأ العدالة الاجتماعية، وحماية الأسرة باعتبارها أساس المجتمع.
هناك مئات الدراسات، ليست في مصر وحدها، وإنما في العالم العربي والعالم أجمع، تناولت الأسباب الاقتصادية في انهيار الأسرة، لذا من المهم جداً أخذها في الاعتبار عند دراسة وضع الأسرة المصرية، التي باتت تئن، مثلها مثل بقية أسر العالم، من الضغوط الاقتصادية، وإذا كان من الطبيعي جداً عدم مواصلة تقديم الدعم بصورته القائمة، فإنه يمكن للدولة تخفيف العبء عن الأسرة من خلال تحسين خدمات بعينها؛ مثل: استكمال منظومة التأمين الصحي الشامل، بحيث تحمي الأسرة من غلواء العلاج في المستشفيات الخاصة، التي حول بعضها المرض إلى تجارة بلا وازع من دين أو ضمير، وبلا رقيب أو حسيب، وقد عاشت الأسرة المصرية عصوراً طويلة تتلقى العلاج في الوحدات الصحية القروية والمستشفيات المركزية، دون أن تحمل هم بند النفقات الصحية.
أيضاً قطاع التعليم، والذي بات يستنزف الأسرة المصرية ويلتهم جل مواردها، بعدما فشلت المحاولات المتعاقبة في إصلاح المدارس العامة التي تدنت مخرجاتها، وذلك لأسباب كثيرة لا يتسع المجال لنقاشها الآن، فلم تجد الأسرة سبيلاً أمامها إلا إما الدروس الخصوصية أو المدارس الخاصة والدولية وما شابهها، بحثاً عن تعليم حقيقي لأبنائها، على الرغم مما كانت تتمتع به المدارس الحكومية من جودة وقوة في أوقات سابقة، ويكاد يكون جيلنا كله قد تخرج فيها، وكان لا يلتحق بالتعليم الخاص إلا الفاشل الذي لا يقوى على جدية التعليم العام، وقد كان لدينا في مدارس القرى معلمون عظماء تربوياً وعلمياً، وكانوا لنا قدوات طيبة، نذكرهم حتى اليوم بكل خير.
ونحن نتحدث عن الجوانب الاقتصادية، في ظل ظروفنا الراهنة، نحتاج إلى دور حقيقي للإعلام وعلماء الدين والمثقفين في مواجهة هوس الاستهلاك على الشاشات، وفي الأفلام والمسلسلات والإعلانات ومواقع التواصل، وكلها جعلت طبقات الأسر لا تنظر لما في أيديها، وإنما دائماً تلهث وراء ما هو خارج قدراتها، فكفى قهراً لأرباب الأسر، لأن قهر رب الأسرة سيجعله ينهار، ومتى انهار سقطت الأسرة وتفككت، ودفعت بأطفالها للتشرد في الشوارع، وبات الأمر خطراً على المجتمع والدولة.