لا شك فى أن التوجيهات الرئاسية بسرعة تقديم مشروعات القوانين المنظمة لشئون الأسرة المصرية إلى مجلس النواب، بما يشمل الأسرة المسلمة والمسيحية، إلى جانب صندوق دعم الأسرة، جاءت استشعاراً من رأس الدولة بما لديه من إحاطة بالواقع الراهن للأسرة المصرية، وما آل إليه حالها، وما تعانيه من أزمات و تعقيدات، فى ظل منظومة قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها حالياً، وما أسفرت عنه من واقع لا يرضى عنه المجتمع ولا رأس الدولة.
ونحن فى انتظار التشريعات الجديدة، على أمل أن يكون فيها طوق النجاة من ذلك الطاعون الذي ضرب الأسرة المصرية وحول خلافاتها من ستر غرف البيوت المغلقة إلى ساحات المحاكم ومكاتب المحامين وفضاء التواصل الاجتماعي، علينا أن ننظر بعينين مفتوحتين، وعقول متزنة، من أهل العلم والاختصاص من علماء النفس والاجتماع والقانون والتشريع والأمن والاقتصاد وشرائح المجتمع التي نجحت فى الحفاظ على أسرها بعيداً عن نيران التقاضي، وشرائح من الأسر التي اكتوت بنيران التقاضي.
وفقاً لبيانات النيابة العامة فإن ما تم إنجازه من قضايا الأسرة فقط خلال العام القضائي 2024 - 2025 بلغ مليونا و730 ألفاً و 638 قضية، وهذا يعكس حجم مأساة الأسرة التي دخلت إلى المحاكم، أي سقطت فى بحر الظلمات الذي لا ينتهي، فقضايا الأسرة سلسلة تشبه الدوامات التي لا تتوقف، وهي مفرمة نفسية ومالية، ومحرقة لكل معالم الاستقرار للأسرة، فمن أندر النادر أن أسرة دخلت إلى ساحات المحاكم وعادت لاستقرارها مرة أخرى.
جاء فى النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق لعام 2024، والصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامـة والإحصاء فى 26 نوفمبر 2025 أن عدد عقود الزواج بلغ 936 ألفاً و 739 عقداً عام 2024 مقـابل 961 ألفاً و220 عقداً عام 2023 بنسبة انخفاض قدرها 2.5٪، بينما بلغ عدد حــــالات الطلاق 273 ألفاً و 892 حالة عام 2024 مقابل 265 ألفاً و606 حالات عام 2023 بنسبة زيادة قدرها 3.1٪ .
فى المقابل هناك حالات انفصال- لا يوجد إحصاء دقيق لها- غير قادرة على إتمام الطلاق سواء لظروف تتعلق بالأبوين أو بالأبناء أو لظروف مادية، ووسط هذه الأجواء المشحونة بالحروب والكراهية، شهد المجتمع تصاعداً خطيراً فى جرائم العنف الأسري، بعضها وصل حد القتل، سواء قتل أب لزوجته وأبنائه، أو قتل الزوجة لزوجها وأبنائها، أو قتل الأبناء لأبويهما أو لأحدهما.
وإذا نظرنا إلى تراجع حالات الزواج سنجد أن ذلك يهدد بناء الأسرة وتكوينها، ونحن مجتمع قائم بالأساس على الأسرة، فلسنا مجتمعات غربية تتولى فيها الدولة مسئوليات واسعة فيما يتعلق بالأطفال، أياً كانت حالتهم الأسرية سواء من أسرة شرعية ضمن مؤسسة الزواج أو خارجها، وهذا نسق لا يستقيم معنا كمسلمين ومسيحين شرقيين.
الأسرة هي اللبنة الأساس فى بناء المجتمع والدولة، وبدون أسرة سليمة مستقرة لا يوجد مجتمع سليم، ولا دولة تقوى على البقاء، فما أحوجنا إلى رؤية سوية وعين مجردة فى إعداد التشريعات الجديدة لمعالجة الواقع المر، وبناء المستقبل المنشود للأسرة. وللحديث بقية



