الحق المبين

الوطن فى ميزان الفقه واللغة والأدب

د. أسامة الأزهرى
د. أسامة الأزهرى

بقلم: د. أسامة الأزهرى

وزير الأوقاف

فى زمنٍ تتشابك فيه المفاهيم، وتتداخل فيه الأصوات بين الحق والباطل، جاء مشروع «الحق المبين»؛ الذي تم من خلاله تحويل كتاب «الحق المبين فى الرد على من تلاعب بالدين» إلى مقالات يتم نشرها تباعًا بجريدة «اللواء الإسلامى» الغراء؛ ولم يكن الدافع من ورائها رغبةٌ فى الجدل أو الدخول فى سجالات فكرية، بل كان ذلك قيامًا بواجبٍ دينيٍّ ووطنيٍّ موزونٍ بميزان العلم، ومعروضٍ على موازين الحكمة، والمنطق، والفكر الرصين؛ ليكون منارةً لتصحيح المسار، وحائطَ صدٍّ أمام تيارات التطرف التي عبثت بالنصوص الشرعية، وشوَّهت صورة الدين، وأساءت إلى قيمه العليا.

اقرأ أيضا| دلالات الوطن فى تراث المفسرين والمحدثين (2)

إذا كان النظر فى تراث المفسرين والمحدثين قد كشف عن حضور واضح ومتماسك لقيمة الوطن فى بنية الوعي الإسلامي، فإن استكمال الصورة يقتضي الانتقال إلى بقية الحقول المعرفية، حيث تتجلى المفاجأة المنهجية الكبرى: تضافر مختلف العلوم الإسلامية، على اختلاف مناهجها وأدواتها، على تأكيد هذا المعنى وترسيخه.
فالعقل الإسلامي لم يكن عقلاً أحاديَّ المسار، بل تشكَّل عبر مدارس متعددة، لكل منها أدواتها الدقيقة ومناهجها الصارمة، فعلماء أصول الفقه انشغلوا بقضايا الدلالة والحجية وترتيب الأدلة، حتى قال الإمام أبو حامد الغزالي فى المستصفى عن باب دلالات الألفاظ: اعلم أن هذا القطب (دلالات الألفاظ) هو عمدة علم الأصول. بينما قام علم الحديث على منهج نقدي صارم فى التوثيق والتمحيص، وتفرَّد علم التفسير باستنباط معاني الوحي واستخراج دلالاته الكامنة، فى حين عالج الفقهاء تنزيل الأحكام على الواقع، كلٌّ وفق أدواته ومنهجه.
ومع هذا التباين المنهجي الواسع، يبرز اتفاق لافت بين هذه العلوم وبين علمائها على اختلاف فنونهم وعلومهم ومناهجهم وأدوات استنباطهم، وهو: اعتبار الوطن معنى شرعيًّا معتبرًا، نابعًا من معين الشريعة، ومؤسسًا لجملة من الأحكام. وهو اتفاق لا يقتصر على مدرسة بعينها، ولا على عصر دون آخر، بل يمتد عبر قرون متعاقبة وأقاليم متعددة، بما يسمح باعتباره خلاصة الوعي الإسلامي العام فى هذه القضية.
ويتجلى هذا المعنى بوضوح فى كلام فقهاء الإسلام، ومن أبرزهم شيخ الفقهاء فى زمانه، الموصوف برتبة الاجتهاد، وهو الإمام شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي، المتوفى سنة 684 هـ، وتلميذ شيخ الإسلام وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، الذي تناول فى كتابه الذخيرة مقاصد الحج، فذهب إلى أن من جملة مصالحه العظمى "تأديب النفس بمفارقة الأوطان". وهو طرح يكشف عن بعد نفسي عميق فى التشريع؛ إذ إن مفارقة الوطن بما تنطوي عليه من مشقة وجدانية ليست أمرًا عارضًا، بل مقصودًا شرعًا فى تهذيب النفس وصقلها.
ويؤكد هذا المعنى ما قرره عدد من العلماء فى تفسير الحديث النبوي الشريف: «السفر قطعة من العذاب»، حيث فسَّر العذاب فيه الإمام أبو محمد الجويني، والد إمام الحرمين، بأنه فراق الأحباب ومفارقة الأوطان، بما يحمله ذلك من ألم نفسي لا ينفك عن تجربة الإنسان فى الغربة. ومن ثمّ، فإن العودة إلى الوطن بعد هذه التجربة تعمِّقُ إدراك الإنسان لقيمته، وتغرس فيه شعور الانتماء إليه.
ولا يقف الأمر عند حدود الفقه، بل يمتد إلى الأدب واللغة، حيث عبّر علماء العربية والأدباء عن هذا المعنى بوصفه حقيقة إنسانية عامة. فقد نقل الإمام أحمد بن مروان الدينوري فى كتابه المجالسة وجواهر العلم عن الأصمعي قوله: "إذا أردت أن تعرف الرجل، فانظر إلى حنينه إلى وطنه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه". وهو معيار دقيق يكشف عن عمق الصلة بين الإنسان ووطنه، بوصفها دلالة على صدق الطبع وسلامة الفطرة.
بل إن هذا المعنى يتجاوز الخصوصية الثقافية، ليغدو مشتركًا إنسانيًّا، كما تُنسب إلى حكماء الهند مقولة تفيد بأن الحنين إلى الوطن غريزة فى الإنسان، كما هو الحال فى الإبل التي تحن إلى أعطانها، والطير الذي يعود إلى وكره، مهما تغيّرت الظروف.
وقد انعكس هذا الوعي فى كثرة المؤلفات التي أفردها العلماء لقضية الوطن، مثل كتب "الحنين إلى الأوطان" المنسوبة إلى الجاحظ وغيره، وكتاب "المنازل والديار" لأسامة بن منقذ الذي كان معاصراً لصلاح الدين الأيوبي، جمع فيه شواهد القرآن والسنة والأشعار والخطب وكلام العرب فى ذكرى الديار والبلاد والأوطان والاعتزاز بها، وكانت خزانة كتبه تُحمل على نحو أربعين جملاً إذا سافر حتى لقد ألَّف كتبًا عن العصا وفوائدها، أقام فى تأليفه ستين سنة يجمع مادته العلمية، وألَّف أيضًا أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني المتوفى سنة 248 هـ «الشوق إلى الأوطان»، ومن المعاصرين ألَّف الدكتور سليمان بن عبد الله بن حمود كتاب «مقومات حب الوطن فى ضوء تعاليم الإسلام». فضلاً عن إشارات متناثرة فى كتب التاريخ والتراجم والأنساب، تدل جميعها على حضور هذا المعنى فى وجدان العلماء واهتمامهم بتأصيله.
ويبلغ هذا الإدراك ذروته فى العبارة الجامعة التي صاغها الإمام ابن الجوزي حين قال: "الأوطان أبداً محبوبة"، وهي عبارة تختزل خلاصة النظر الإسلامي فى هذه القضية؛ إذ تقرر أن حب الوطن ليس طارئًا ولا مكتسبًا، بل هو شعور فطري مستقر فى النفس الإنسانية، لا ينفك عنها فى حال من الأحوال.
وبهذا، يتضح أن مفهوم الوطن فى التراث الإسلامي ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو معنى مركزي تضافرت على تأكيده مختلف العلوم، واستقر فى الوعي الجمعي للأمة عبر العصور. ومن ثمَّ، فإن أي محاولة لتشويه هذا المفهوم أو التقليل من شأنه تمثل خروجًا عن هذا النسق العلمي المتكامل، وقطيعة مع تراث طويل من الفهم الرصين للنصوص الشرعية ومقاصدها. وإلى لقاءٍ قادمٍ بإذن الله تعالى.

 

ترشيحاتنا