بقلم: د. محمد مختار جمعة
الأستاذ بجامعة الأزهر
ديننا دين العمل والإتقان، ودين الأخذ بالأسباب إلى أقصى مدى، يقول الحق سبحانه:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.
فمن جدّ وجد، ومن اجتهد نجح، ومن زرع حصد، ومن ترك السعي لم يُدرك ثمرة، وسنة الله فى خلقه لا تتبدل ولا تتغير: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.
وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى هذا المعنى العملي العظيم حين سُئل: أأعقلها وأتوكل أم أطلقها وأتوكل؟ فقال: «اعقِلها وتوكّل»، فالأخذ بالأسباب لا ينافى التوكل، بل هو جوهره الصحيح.
وقد فهم الصحابة والتابعون هذا المبدأ فهمًا عمليًا، فكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة. وكان يؤكد أن المتوكل الحقيقي هو من يبذل السبب ثم يفوض أمره إلى الله.
ومن الحكم المعبرة فى هذا الباب أن الإنسان لا ينبغي أن يرضى بالدور السلبي فى الحياة، بل عليه أن يسعى ليكون صاحب أثر، لا عالة على غيره، امتثالًا لقوله ﷺ: «اليد العليا خير من اليد السفلى»، فاليد العليا هي المعطية، والسفلى هي الآخذة
والحياة لا تحترم المتواكلين، وإنما ترفع من يجتهد ويعمل ويصنع لنفسه مكانة. وإذا أراد المسلم أن يُحترم دينه، فعليه أن يتفوق فى دنياه؛ فالتفوق فى العمل جزء من صورة الالتزام الديني الصحيح.
وقد أمرنا الله سبحانه بالأخذ بأسباب القوة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، فالأسباب سنة كونية لا تتخلف، يعطي الله ثمرتها لمن أخذ بها، مؤمنًا كان أو غير مؤمن، إلا أن المؤمن يعتقد أن السبب لا يؤثر بذاته، وإنما بإرادة الله وتوفيقه.
فهو الذي جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وعطل السكين عن الذبح لإسماعيل، وحفظ يونس فى بطن الحوت؛ ليبقى اليقين أن المسبب الحقيقي هو الله وحده، وأن الأسباب مجرد وسائل لا تستقل بالأثر.
ومن هنا لا يجوز الاغترار بالمال أو العلم أو الجاه، فكلها نعم من الله، وقد قال تعالى فى شأن قارون حين اغتر بما عنده: إنه أُهلك بخسف الأرض به وبداره.
كما أن النعم تدوم بالشكر وتزول بالجحود، قال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.
وهكذا يظل مبدأ الأسباب والمسببات أصلًا راسخًا فى بناء الوعي الإسلامي: عملٌ وجِدٌّ وأخذٌ بالأسباب، مع يقينٍ بأن النتائج بيد الله وحده.



