الإيمان والعلم

د. محمد مختار جمعة
د. محمد مختار جمعة

بقلم: د. محمد مختار جمعة
الأستاذ بجامعة الأزهر

 

الإيمان والعلم يتكاملان؛ فبالعلم نصل إلى الإيمان، حيث يقول الحق سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، ويقول سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ  أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، ويقول عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا، وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ، مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا، وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ، مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾.
 

الإيمان يحثنا على طلب العلم، يقول الحق سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ، وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ويقول نبينا «صلى الله عليه وسلم» : «مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة… وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر».
ولا تناقض بين الإيمان والعلم على الإطلاق؛ فالعلم قائم على الأخذ بالأسباب، والإيمان يدعونا إلى الأخذ بأقصى الأسباب. وكان سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة. وحتى في حديث نبينا (صلى الله عليه وسلم): «لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا وتروح بطانًا»، قال أهل العلم وشراح الحديث: إن الطير تأخذ بالأسباب، فتغدو وتروح، ولا تقعد في مكانها وتقول: اللهم ارزقني.
ونقل بعض الرواة أن أحد الناس خرج في تجارة، فلجأ إلى حائط بستان للاستراحة فيه، فوجد طائرًا كسير الجناح، فقال: يا سبحان الله، ما لهذا الطائر الكسير؟ كيف يأكل؟ وكيف يشرب؟ وبينما هو على هذه الحال، إذا بطائر آخر يأتي بشيء يسير من الطعام فيضعه أمام الطائر كسير الجناح، فقال: يا سبحان الله، سيأتيني ما قسمه الله لي. فقال له صاحبه: كيف رضيت لنفسك أن تكون الطائر المسكين الكسير مهيض الجناح، ولم تسعَ لأن تكون الطائر الآخر القوي الذي يسعى على رزقه ويساعد الآخرين من بني جنسه؟ وقد قال أحد الحكماء: لا تسأل الله أن يخفف حملك، ولكن اسأله سبحانه أن يقوي ظهرك.
ويقول الحق سبحانه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا، وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾، ولم يقل: اقعدوا وسيأتيكم الرزق حيث كنتم. ويقول نبينا «صلى الله عليه وسلم»: «تداووا؛ فإن الله عز وجل لم يضع داءً إلا وضع له دواءً، غير داء واحد: الهرم»، ولم يقل أحد على الإطلاق إن الدعاء بديل الدواء، إنما هو تضرع إلى الله «عز وجل» مع إعمال الأسباب التي أمرنا سبحانه وتعالى بالأخذ بها لنتائجها.
ولم يقل أحد على الإطلاق من أهل العلم إن الفقه بديل الطب، بل إن الفقه الصحيح يؤكد أن تعلم الطب من فروض الكفايات، وقد يرقى في بعض الأحوال إلى درجة فرض العين على القادر على تعلمه، حال لم يوجد من يقوم بفرض الكفاية في مداواة المرضى.
وقد أكدنا في أكثر من كتاب ومقال أن ثواب تعلم الطب لا يقل عن ثواب تعلم الفقه، وأن الأولوية لأحدهما ترتبط بمدى الحاجة الملحة إليه؛ فحيث تكون حاجة الأمة، يكون الثواب أعلى وأفضل، ما صدقت النية لله «عز وجل».
وعلينا، ونحن نأخذ بأقصى الأسباب، ألا ننسى خالق الأسباب والمسببات، من أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون؛ فنجمع بين أسباب العلم وأسباب الإيمان معًا، مؤكدين أنه لا تناقض بينهما، بل الخير كل الخير والنجاء كل النجاء أن نحسن الجمع بينهما، والأخذ بهما معًا.