بقلم: د. سلامة داود
رئيس جامعة الأزهر
إن أسمى غايات التعليم هي بناء الإنسان، وإن بناء الإنسان يستلزم بالضرورة بناء الأوطان؛ وبهذا يكون المتعلم نافعًا لنفسه، ونافعًا لوطنه، ونافعًا لأمته، ونافعًا للناس جميعًا. وتلك هي الغاية التي دار حولها دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وركز عليها فى مجال العلم، وهي النفع والانتفاع، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا»، وقوله: «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا»، وقوله: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع».
ولذلك نقول إن التعليم المفيد هو الذي ينفع الإنسان، وينفع الأوطان، ويبني الإنسان، ويبني الأوطان؛ وبهذا يؤتي التعليم ثمرته، ويحقق غايته، ولا فرق فى ذلك بين المؤهلات العليا، والمؤهلات الوسطى، والمؤهلات الصغرى، ولا بين المؤهلات العلمية والمؤهلات الفنية؛ فالجميع يسير نحو غاية واحدة، ولا تقوم حياة الناس إلا بالجميع، فالكل يخدم الكل، وهذا ما صوره الشاعر القديم بقوله:
الناس للناس من بدوٍ وحاضرةٍ
بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمُ
وليست القيمة فى درجة المؤهل الذي نحمله، بل القيمة فيما يثمره المؤهل من إتقان العمل وإحسانه وتجويده؛ ولذلك كان لسيدنا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه كلمةٌ عالية، قالوا إنها تلتبس بكلام النبوة لصدقها وسدادها، وهي قوله رضي الله عنه: «قيمة كل امرئ ما يحسنه».
وفى سير أعلام النبلاء من علمائنا عبر التاريخ، نرى كثيرًا منهم جمعوا بين النبوغ فى العلم، والنبوغ فى مهنة أو صنعة أو حرفة، حتى ظهرت حرفهم فى أسمائهم وألقابهم، كالزجاج، وهو من أكابر علماء النحو، وسُمِّي بذلك لمهارته فى صناعة الزجاج، ومنهم الآجري، والخراز، والخباز، والصبان، والقطان، والقصاب، والنجار، والحداد، بل ومنهم الإسكافي، وهو الذي يصلح الأحذية، والخطيب الإسكافى من أشهر علمائنا الذين ألَّفوا فى متشابه القرآن الكريم. ومنهم من جمع بين العلم والتجارة، كالإمام الليث بن سعد، والإمام مسلم، وكان كثير منهم لا يتكسب بعلمه، بل يعيش من حرفته وصنعته.
ومن أجل هذا، فإن الأزهر الشريف يثني على هذا التوجه الجديد فى سياسة التعليم، لتخريج حملة المؤهلات الصغرى فى مختلف الحرف والمهن الفنية التي تحتاجها البلاد فى نهضتها وعمرانها، مع اليقين بأن هذه المؤهلات تخدم المجتمع خدمات جليلة لا تقل عما تقدمه المؤهلات العليا أو الوسطى، وأن هذا التقسيم للمؤهلات لا يوجب فى ذاته تفضيل أحدها على الآخر، إلا بمقدار ما يتميز به حامله من الإتقان، صغيرًا كان أو كبيرًا. وبهذا الإتقان يتميز بعض الخريجين على بعض محليًا وعالميًا، وبهذا الإتقان تتقدم البلاد.



