ومايسطرون

مع الصالحين (2)

محمود عيسى
محمود عيسى

قصص التوبة فى سير الصالحين، فيها ما يدهش العقل ويطمئن القلب، إن التائب إذا صدقت توبته وأخلص عمله، تحول من حال إلى حال، فهذا التابعي الأشهر فى الزهد والعمل وراوية الحديث ناسخ المصاحف مالك بن دينار البصري، يحكي قصة توبته التي رغم ما يقال فى سندها، فقد وردها ابن قدامة فى «كتاب التوابين» وهي جديرة بالتأمل.. 

اقرأ أيضا| ومايسطرون مع الصالحين

يقول مالك بن دينار : ولدت لي بنتا، فشغفت بها، فلما دبت على الأرض ازدادت فى قلبي حبا، وألفتني وألفتها، فكنت إذا وضعت المسكر بين يدي،  جاءت إلي وجاذبتني عليه، وهرقته من ثوبي، فلما تم لها سنتان ماتت، فأكمدني حزنها 
فلما كانت ليلة النصف من شعبان، وكانت ليلة الجمعة، بت ثملا من الخمر، ولم أُصلّ فيها عشاء الآخرة، فرأيت فيما يرى النائم : كأنَّ القيامة قد قامت، ونفخ فى الصور، وبعثرت القبور، وحشر الخلائق وأنا معهم، فسمعت حسَّا من ورائي، فالتفت،  فإذا أنا بتنين أعظم ما يكون،  أسود أزرق،  قد فتح فاه مسرعا نحوي .
فمررت بين يديه هاربا فزعًا مرعوبًا،  فمررت فى طريقي بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة، فقلت: أيها الشيخ ! أجرني من هذا التنين، فبكى الشيخ، وقال لي: أنا ضعيف 
قال: فنظرت إلى جبل مستدير من فضة، وفيه كُوى مخرمة، فأشرف علي من تلك المخرمات أطفال بوجوه كالأقمار. 
 وإذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت علي معهم، فلما رأتني بكت وقالت: أبي والله، 
ثم أجلستني وقعدت فى حجري، وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي، وقالت : يا أبت ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ )، فبكيت، وقلت  فأخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني.
قالت : ذلك عملك السوء، قويته، فأراد أن يغرقك فى نار جهنم. قلت : فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به فى طريقي؟
قالت : يا أبت ! ذلك عملك الصالح، أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء، فانتبهت فزعا، وأصبحت، فأرقت المسكر، وكسرت الآنية وتبت إلى الله - عز وجل.