القراءة فى سير الصالحين والأتقياء الزهاد عبر العصور، تمنح القلب والنفس عبرة ، والعقل اطلاعا ووعيا بكيف كان هولاء ، سواء من التابعين أو تابعيهم أو حتى من أبناء عصرنا الحديث، يعبدون الله حق عبادته ، وينتجون فكرا وفقها، ورغم ذلك لا تقف حياتهم العملية والدنيوية ، وإنما تسير فى مسارها دون أن تلهيهم أو تطغيهم .
خلال البحث فى سير الصالحين، استوقفني اسم الفضيل بن عياض.. المولود فى بدايات القرن الثاني الهجري ( 107 هجرية ) ، ليس فقط لقيمة الرجل ، وإنما لهذا التحول العجيب فى شخصيته، مما يؤكد حقيقة أن الله إذا أراد لعبد توبة نصوحا، نقله من خانة العصاة المغرقين الغارين فى المعصية، إلى خانة كبار الصالحين.. فالفضيل بن عياض كان لصا، يقطع الطريق، وكان سبب توبته أنه عشق جارية ، فبينما هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليا يتلو قوله تعالى ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم) فلما سمعها قال : بلى يا رب قد آن، فرجع ، فآواه الليل إلى خربة فإذا فيها عابري سبيل ، فقال بعضهم نرحل ، وقال بعضهم نبقى حتى الصباح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا، ولما سمعهم.. قال : أنا أسعى بالليل فى المعاصي، وقوم من المسلمين هاهنا، يخافوني، اللهم إني قد تبت إليك ، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.
من هنا تحولت حياة قاطع طريق، إلى عابد زاهد قال عنه إبراهيم بن الأشعث: ما رأيت أحدا كان الله فى صدره أعظم من الفضيل، كان إذا ذكر الله، أو ذكر عنده، أو سمع القرآن ظهر به من الخوف والحزن، وفاضت عيناه، وبكى حتى يرحمه من يحضره، وكان دائم الحزن، شديد الفكرة، ما رأيت رجلا يريد الله بعلمه وعمله، وأخذه وعطائه، ومنعه وبذله، وبغضه وحبه، وخصاله كلها غيره.



