رصيد استراتيجي

عبدالهادي عباس رئيس تحرير جريدة اللواء الإسلامي
عبدالهادي عباس رئيس تحرير جريدة اللواء الإسلامي

بدأت نسائم شهر رمضان تهلّ علينا، سواء بانتشار معروضات الياميش أو محلات الفوانيس وتزيين الشوارع، وكلها روائح مصرية خالصة أصبحت جزءًا من فلكلور الشعب المصري العريق؛ وبعيدًا عن هذه الشكلانيات المهمة التي تؤثر، بلا شك، في نفوس الناس؛ وبعيدًا عن "جدل" الميكروفونات الذي يتجدد كل عام ما بين مؤيد باعتبارها جزءًا من النسائم الرمضانية، ومعارض يراها "دوشة" تُنافي السكينة اللازمة للشهر الكريم.. بعيدًا عن كل هذه القضايا فإن العمق المطلوب لاستيعاب الفهم الواضح لشهر التكامل الإسلامي يأتي من إنكار الإجرام الصهيوني في حق القضية الإسلامية الكبرى، بعدما اتخذ الكيان إجراءات غير قانونية تهدف إلى فرض السيادة غير الشرعية، وترسيخ الاستيطان، وإنشاء واقع إداري جديد في الضفة الغربية المحتلة، بما يسرّع محاولات ضمّها غير القانوني وتهجير الشعب الفلسطيني.

وإذا كان وزراء خارجية الدول الإسلامية قد أكّدوا أنه لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة، وحذَّروا من استمرار السياسات الإسرائيلية التوسُّعية والإجراءات غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة، والتي تؤدِّي إلى تأجيج العنف والصراع في المنطقة؛ فإن كل تلك التحذيرات لن تؤتي ثمارها الحقيقية ما لم تكن الدول الإسلامية "كالجسد الواحد" في كل شيء، خاصة في قرارات الدفاع المشترك، وقتها سيصبح تأثيرها الدولي أكبر وأعمق؛ خاصة أن كل الإجراءات الاستيطانية الإسرائيلية غير قانونية، وتشكّل انتهاكًا واضحًا لقرارات مجلس الأمن الدولي، خاصة القرار ٢٣٣٤ الذي يدين جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير التكوين الديموجرافي وطابع ووضع الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام ١٩٦٧ بما فيها القدس الشرقية؛ وكذلك الرأي الاستشاري الصادر عام ٢٠٢٤ عن محكمة العدل الدولية، الذي خلص إلى أن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، واستمرار وجودها فيها، غير قانونيين، وأكد ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وبطلان ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة.

***

اللقاء الأخير بين الرئيس السيسي والرئيس أردوغان والذي تناولته وسائل الإعلام بوصفه "لقاء الكبار"، أثبت أن الدبلوماسية المصرية تمتاز بطول النفس والعمق المطلوب لمواجهة كل السيناريوهات؛ كما يثبت أن مقاصد الأمة الإسلامية تنتصر دائمًا على عوارض السياسة.

وليس من قبيل المصادفة التاريخية أن تلتقي القاهرة وأنقرة في لحظةٍ فارقةٍ من عُمر هذا الزمان؛ فالعَلاقة بين "قلب العروبة النابض" و"بوابة التاريخ الإسلامي في الأناضول" ليست مجرد علاقة دبلوماسية تخضع لحسابات الربح والخسارة؛ بل هي ضرورة شرعية وحتمية جيوسياسية يمليها ميزان القوى في عالم لا يحترم إلا الكيانات الملتحمة.

وتأتي هذه الزيارة تجسيدًا لقاعدة "الإصلاح بين الناس" وإعلاءً لمصلحة الأمة على الخلافات العارضة؛ فالتقارب المصري التركي هو بمثابة "ترميم لجدار البيت الكبير"؛ فإذا كانت الفُرقة بين أبناء الأمة الإسلامية "فشل وذهاب ريح"، فإن هذا التلاقي هو استعادة للهيبة المفقودة، وتطبيق عملي لقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}.

لا شك أن هذا اللقاء بين الزعيمين الكبيرين بما امتاز به من تقارب فكري وودٍّ أخوي يُمثل تكتلًا لثقلين لا غنى لأحدهما عن الآخر في مواجهة التحديات الكبرى: الدور الريادي لمصر بمكانتها التاريخية العتيدة، والأزهر الشريف كمنارة للفكر الوسطي؛ والقوة التركية الصاعدة بما تمثله من ثقل عسكري وصناعي ونموذج للتنمية؛ وكل هذا يدعم القضية المركزية للأمة الإسلامية ويوحِّد الرؤى تجاه القضية الفلسطينية؛ حيث يمثل هذا التحالف درعًا تحمي الحقوق المشروعة وتقف في وجه الغطرسة التي تستهدف تصفية القضية.

علينا أن ندرك أن الاختلاف في وجهات النظر التي سبقت هذه الزيارة كانت "سحابة صيف" في تاريخ طويل من الجوار التاريخي والحضاري الممتدّ؛ والآن تتحرك الدولتان بمنطق "الواقعية الراشدة"، التي تُدرك أن استنزاف القوى في معارك جانبية لا يخدم إلا المتربصين بوحدة هذا الصف؛ وقد أدرك الجميع أن قوة مصر وتركيا ليست ملكًا لهما فحسب؛ بل هي رصيد استراتيجي لكل مسلم ومستضعف، وحين تصطلح القاهرة وأنقرة، فإن موازين القوى في الشرق الأوسط تُعيد ترتيب نفسها تلقائيًّا.

لا يُمكن أن ننظر إلى هذه الزيارة كحدث عابر؛ بل نرجو أن تكون لبنةً في بناء "نظام إقليمي إسلامي" جديد، يتجاوز رد الفعل إلى صناعة الفعل، ويؤسس لتعاون اقتصادي وأمني يُحقق الرأي الواحد، والاكتفاء الإسلامي الذاتي، والمنعة ضد أي طغيان مُحتمل؛ فالتحديات التي تواجه الأمة من فقر وجهل وحصار خارجي، تتطلب هذا النوع من "التحالفات الذكية" التي تحترم السيادة وتوحد الهدف.

لقد أحسن إلينا الحاضر بهذه الزيارة وطوى صفحة التنافر، وفتح صفحة التكامل؛ وعلى النخب الفكرية والإعلامية أن تبارك هذا المسار، بعيدًا عن المزايدات، ليكون هذا اللقاء فاتحة خير لأمة طال انتظارها بعد صحوة كبارها.

***

لم يعد الحديث عن التعاون الإسلامي ترفًا فكريًّا يشحن به الإعلاميون أوقات برامجهم، ولا هو مجرد شعار يرفعه الخطباء فوق المنابر؛ بل هو في حقيقته "وثيقة نجاة" في عالم لا يعترف إلا بالتكتلات الكبرى، ولا يقيم وزنًا للكيانات الممزقة التي تذروها رياح المصالح الدولية يمنة ويسرة.

والمتأمل في خارطة التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، يدرك أننا لم نعد أمام أزمات عابرة؛ بل نحن أمام مخاض تاريخي عسير؛ فمن استهداف للهوية وتشويه للمنطلقات الفكرية، إلى ضغوط اقتصادية تهدف إلى إبقاء هذه الأمة في مقاعد المتفرجين بينما يُصنع التاريخ في غيبتها؛ ولهذا فإن التحديات التي تفرض نفسها على الساحة لا تعترف بالحدود الجغرافية، فهي عابرة للقارات وترتكز إلى أسس واضحة يُعلنها زعماء الدول الكبرى جهارًا؛ ومنها: التفتيت المنهجي، ومحاولات زرع الشقاق الطائفي والعِرقي لإنهاك القوى الذاتية للأمة الإسلامية، وخلق ما يُسمى بالتبعية الاقتصادية؛ إذ رغم امتلاك العالم الإسلامي لمفاتيح الطاقة والموارد ومخازن هائلة من المواد الخام، فإن غياب التكامل يجعلنا "أغنياء في صورة فقراء"؛ ثم يأتي الغزو الثقافي ومحاولات فرض نمط قيمي غريب يصطدم مع جوهر الشريعة وروح الحضارة الإسلامية. وكل هذه الأمور يُدركها عقلاء الأمة الإسلامية؛ وكثيرًا ما أكد عليها الرئيس السيسي في خطاباته بصورة واضحة وتفصيلية.

***

الشعب المصري بكفاحه الطويل يُدرك بالفطرة ضرورة الحاجة الملحاح إلى التعاضد الإسلامي العضوي الذي ينطلق من وحدة المصير؛ ويجتهد لإنشاء "سوق إسلامية مشتركة" تحوّل الموارد المعطلة إلى طاقة إنتاجية، وإلى "منظومة دفاعية فكرية" تحمي عقول الشباب من الانجراف وراء دعوات الغلوّ أو السقوط في فخ الاستلاب الحضاري؛ وبعد كل ذلك ندرك أن المواجهة تتطلب نفسًا طويلًا وإيمانًا راسخًا بأن ما يجمعنا من وشائج العقيدة والتاريخ أمتن بكثير مما يحاول تفريقه العابثون.

لقد آن الأوان لكي ننتقل من "التعاون الاضطراري" الذي تفرضه الأزمات، إلى "التعاون الاستراتيجي"؛ فالمستقبل لا ينتظر المترددين، والتاريخ لا يرحم الذين أضاعوا بوصلة الطريق وهم يملكون النور.