في العدد الماضي من «اللواء الإسلامي» الورقي، وطوال الأسبوع في الموقع الإلكتروني، قدَّمنا وجبات دسمة ومتابعات شاملة لأجنحة المؤسسة الدينية الأزهرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين؛ وقد كشف هذا التطواف عن زادٍ معرفي عميق يُضيف إلى العقل العربي الكثير من رواسخ المواجهة المنطقية مع الأفكار المتطرفة؛ كما أسهم التنوع الفكري والتداول بين الموضوعات التراثية والقضايا الواقعية في إذكاء مزيد من النقاشات واجتذاب شباب الزوار إلى ندوات الأزهر.
الأزهر والأوقاف والإفتاء ليست مجرد أجنحة عابرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؛ بل هي «فسيفساء» فكرية، واحةٌ وارفة الظلال تتوسط ضجيج الورق، لتعيد صياغة المشهد الثقافي بروحٍ تجمع بين ألق التراث وعنفوان الحداثة. هنا في جناح الأزهر الشريف، لا تشم رائحة الورق فحسب، بل تستنشق عبير «الوسطية» الذي يواجه رياح «التطرف» بذكاء الفكر، لا بضجيج الشعارات.
لقد أدرك الأزهر، بقيادة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، أن المعركة مع التطرف ليست مجرد سجال أمني؛ بل هي «معركة وعي» بامتياز. في أروقة الجناح، تطالعك إصداراتٌ لم تعد تكتفي بوعظ المصلين، بل تشرِّح عقل المتطرف بمبضع العالم الخبير.
من بين هذه الحصون الورقية، يبرز كتاب «الانحراف في فهم السنة عند الجماعات المتشددة»، الصادر باللغة الإنجليزية، والذي يعد صفعة فكرية لكل من حاول اختطاف النص النبوي وتوظيفه في أجندات الدم. إنه تفكيكٌ علمي لمنطق «الحرفية القاتلة»، وإعادة الاعتبار للسياق والمقاصد التي هي روح الدين وجوهره.
وأبرز ما استوقفني في أجنحة المؤسسة الأزهرية هو تلك القدرة الهائلة على «أنسنة» الخطاب الديني، لم تعد الفتوى جافة؛ بل صارت حوارًا حيًّا في ركن «مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية». هناك، ترى العالم يجلس بجوار الشاب، يفككان معًا عقد الإلحاد، وشبهات التطرف، وتحديات العالم الرقمي.
لقد نجح الجناح في الإجابة عن السؤال الصعب: «كيف تخاطب المؤسسة الدينية الأجيال الجديدة؟»، وذلك عبر فعاليات نوعية وندوات ناقشت «الخطاب الديني في العصر الرقمي»، مؤكدةً أن الإسلام لا يخشى التكنولوجيا، بل يطوعها لنشر قيم السلام.
***
بذكاءٍ شديد، احتفى الجناح بالعالم الجليل الشيخ عبد الغني عبد الخالق، ليكون «شخصية الجناح»، وهي رسالةٌ واضحة بأننا لا ننفصل عن جذورنا. فالتطرف ينبت في أرض «الجهل بالتاريخ»، والأزهر عبر ركن المخطوطات وورش الترميم يربط الشاب بجذوره، فيعلم أن الحضارة الإسلامية بُنيت بالمداد لا بالدماء؛ وأن هناك آلاف المخطوطات لا تزال تبحث عن تلك العين الفاحصة التي تسبر أغوارها وتكشف خبئها وتجلو غبار السنين عنها لتعود زادًا معرفيًّا جديدًا يُضيف إلى الحقل المعرفي العربي بعض ما قد سلبه الآخرون منه.. كل هذا إضافة إلى ركن الخط العربي الذي يُبرز الأسماء والعناوين بزخارف تُبرز قوة الحرف العربي وجلاله. ويبقى ركن الطفل هو مصدر البهجة الأول لزوار المعرض، فالألوان في أيدي الصغار تُغازل أعين الحضور، والقصص والحكايات تسلب آذانهم فتستدفئ عقولهم من قبسات هذه الشمس المشرقة في برد يناير.
ما تقدمه أجنحة المؤسسة الأزهرية في معرض الكتاب هذا العام هو «القوة الناعمة» لمصر في أبهى صورها. هو التأكيد على أن «القبلة الوسط» هي الملاذ من شطط اليمين وغلو اليسار. لقد غادرنا الجناح وفي قلوبنا طمأنينة أن الفكر المستنير هو الترياق الوحيد لسموم التطرف، وأن الكتاب سيظل دائمًا هو الحارس الأمين على هوية هذه الأمة.



