بقلم : احمد فتح الله الشيخ
حين يُناقَش التكفير بوصفه مسألة عقدية مجردة، قد يظن بعض الناس أن الخلاف حوله خلاف نظري، لا يتجاوز صفحات الكتب ومناظرات العلماء، لكن التاريخ، والواقع، والدم المسفوك في طرقات الأمة، كلها تشهد أن التكفير ليس فكرة تعيش في الهواء، بل قنبلة إذا انفجرت دمّرت كل ما حولها، وأخطر ما في التكفير أنه لا يدمّر خصومه فقط، بل يدمّر البيئة التي خرج منها، ثم يعود فيأكل أبناءه واحدًا واحدًا.
أول ما يفعله التكفير أنه يكسِر الحاجز النفسي تجاه الدم.
الإسلام، في جوهره، أقام سورًا عاليًا حول النفس البشرية، وجعل قتل المسلم من أعظم الجرائم، وربطه بالإثم العظيم والعقوبة الشديدة، لكن التكفير يأتي ليهدم هذا السور من أساسه؛ فمتى صُنِّف الإنسان كافرًا، أو "خارجًا عن الملة"، لم يعد دمه دمًا، ولا صرخته صرخة مظلوم، بل يُعاد تعريفه ليصبح خطرًا يجب التخلص منه، وهنا يتحول القتل من جريمة إلى "حل"، ومن كارثة إلى "واجب".
ثم ينتقل التكفير خطوة أبعد، فيفسد العلاقات الاجتماعية داخل الأمة.
فالمجتمع الذي يسوده خطاب التكفير لا يعرف الطمأنينة؛ لأن كل فرد فيه مشروع متهم.
الأخ يراقب أخاه، والجار يشك في جاره، والتلميذ يتوجس من معلمه، والعامي يحتقر العالم لأنه لا يوافقه في حدّته.
تسقط الثقة، ويذوب الإحساس بالأمان، ويصبح الانتماء إلى الجماعة التكفيرية أهم من الانتماء إلى الأمة كلها، وهنا تبدأ الأمة في التفتت من الداخل، دون حاجة إلى عدو خارجي.
ومن أخطر آثار التكفير أنه يشوّه صورة الإسلام في عيون أبنائه قبل غيرهم.
الشاب الذي يرى الدين مرتبطًا دائمًا بالتكفير، والتهديد، والقتل، قد لا يلحد، لكنه ينفر، وقد لا يعادي الدين، لكنه يبتعد عنه، وقد لا يرفض النص، لكنه يرفض من يرفعه سيفًا في وجهه. وهكذا يخسر الإسلام أجيالًا كاملة، لا بسبب ضعف حجته، بل بسبب سوء تمثيله.
ولا يقف الأثر عند العامة فقط، بل يمتد إلى العلم نفسه.
في مناخ التكفير، يُغلق باب الاجتهاد الحقيقي؛ لأن كل اجتهاد قد يُفهم على أنه انحراف، وكل رأي مخالف قد يُفسَّر على أنه بدعة، وكل محاولة للتفصيل قد تُتَّهم بالتساهل.
ومع الوقت، يختفي الفقه العميق، ويحل محله فقه شعاري سطحي، يقوم على الحفظ دون فهم، وعلى الحماسة دون بصيرة.
وهكذا تُصاب الشريعة نفسها بالجمود، لا لأنها عاجزة، بل لأن عقولًا متعجلة حبستها في قوالب ضيقة.
أما على المستوى الدعوي، فالكارثة أعظم.
الدعوة التي تقوم على التكفير لا تعرف التدرج، ولا تعترف بالضعف البشري، ولا تفهم طبيعة النفوس. هي دعوة تخاطب الناس من أعلى، لا من داخل واقعهم، وتطلب منهم الكمال دفعة واحدة، ثم تحكم عليهم بالهلاك إن عجزوا.
ونتيجة ذلك أن الدعوة تفشل في إصلاح العصاة، وتفشل في احتواء المخطئين، ولا تنجح إلا في إنتاج نسخة مشوهة من "الملتزم"، مشدود الأعصاب، قاسي القلب، ضيق الأفق.
ثم تأتي النتيجة الأشد مرارة: أن التكفير يقدّم أعظم خدمة لأعداء الأمة دون أن يشعر.
فحين تُراق الدماء باسم الإسلام، وحين تُفجّر المساجد باسم التوحيد، وحين يُقتل المسلم لأنه "ليس على المنهج"، يصبح من السهل على خصوم الإسلام أن يختصروا الدين كله في هذه الصور، وأن يُسَوِّقوا للعالم أن هذا هو الإسلام الحقيقي.
وهنا يدفع الأبرياء ثمن فكر لم يصنعوه، ويُحاصَر الدين بسبب من ادّعوا الدفاع عنه.
ومع كل هذا الخراب، لا يحقق التكفير الهدف الذي يرفعه أنصاره شعارًا: لا يُقيم دولة راشدة، ولا يبني مجتمعًا مستقيمًا، ولا يُنتج إنسانًا متوازنًا. كل ما يُنتجه هو دورات متكررة من العنف، يعقبها قمع، يعقبه تطرف أشد، في حلقة لا تنتهي. ولهذا، فإن أخطر ما في التكفير ليس فقط أنه يقتل الناس، بل أنه يقتل الأمل في الإصلاح.
وحين ننظر بعمق، ندرك أن التكفير ليس انحرافًا عابرًا في الفكر، بل خللًا جذريًا في فهم وظيفة الدين نفسه.
الدين جاء ليُصلح الإنسان، لا ليُصفّيه، وليهديه، لا ليُقصيه، وليحمله على الخير، لا ليدفعه إلى الهاوية.
وكل فكر يعكس هذه المعادلة، مهما تزيّن بالنصوص، فهو فكر يعمل ضد مقاصد الدين وإن زعم خدمته.
ولهذا، فإن مواجهة التكفير ليست ترفًا فكريًا، ولا قضية نخبوية، بل ضرورة شرعية وواقعية؛ لأن السكوت عنه لا يعني الحياد، بل يعني ترك النار تأكل ما تبقى من الجسد.
ومن لم يفهم ماذا يفعل التكفير بالأمة، فلن يفهم لماذا شدد العلماء في التحذير منه، ولماذا كانوا يعدّونه باب شر عظيم، متى فُتح عجز الناس عن إغلاقه.
والحمد لله رب العالمين.



