كان من أبرز الأهداف المعلنة لبرنامج "دولة التلاوة" هو إعادة اكتشاف المواهب القرآنية الفريدة في القرى المصرية، ومنحهم الفرصة للمنافسة الحقيقية على الريادة المجتمعية؛ وهو ما بدأت بشائره الإيجابية تظهر بصورة واضحة على مختلف المراحل العمرية، خاصة الشباب الذي وجد متنفسًا لإثبات إمكاناته العلمية ومواهبه الفردية بصورة تنافسية تدفعه لتجويد نفسه وتنمية مهاراته الإبداعية التي هي المحكّ الوحيد للفوز؛ فلا واسطة في الموهبة ولا محاباة في الإبداع.
والحقيقة أن "دولة التلاوة" قد أحدث هزة وجدانية كبيرة عند الأطفال الذين انغمسوا في التفاهات فترات طويلة، فقد وجدوا نماذج جديدة من الأبطال والقدوة من ذوي الحفظ والعلم والوعي الديني، إضافة إلى إمكانات صوتية فريدة؛ وهو ما شغل المتابعين بدراسة وتحليل علوم القراءات القرآنية والروايات المنبثقة عنها: ومن هو حفص عن عاصم، وورش عن نافع، وخلف عن حمزة، وما الفارق بين هؤلاء، وما تاريخ هذه القراءات، ولماذا لا نجتمع على شكل واحد فقط منها، وما جماليات كل واحدة منها.. وكيف أبدع قراؤنا الكبار في تلاوة كل هذه القراءات بتلك الدقة وذلك الإتقان المبهر؛ وأصبحت أبحث مع أسرتي عن مفهوم المقامات ومدى إفادتها للقارئ؛ وغيرها من الأسئلة التي أرهقنا بها محركات البحث الإلكترونيّ ونبشنا بها أضابير مكتبتي العتيقة.
***
إذا كان السؤال هو مفتاح العلم؛ فإننا قد أمسكنا بالفعل طرف الخيط الذي يوصلنا إلى مكان آخر من الوعي الديني الذي تاه من بين أيدينا سنوات طويلة؛ وهذا ما وجدته مؤخرًا في الاهتمام عند الإعلان عن المسابقة العالمية للقرآن الكريم التي تنظمها وزارة الأوقاف؛ وكذلك وجدته في مسابقة البحث عن الصوت القرآني المميز بعدد من قرى محافظة المنوفية، وأرجو أن يكون ذلك منتشرًا في كل القرى؛ إذ يتم البحث لأول مرة عن الصوت القرآني المميز في التلاوة والتواشيح، وليس جودة الحفظ ولا التجويد، فكل ذلك سيتم إدراكه لاحقًا؛ وإنما مناط البحث هو خامة الصوت عند الطفل المتقدم للمسابقة؛ وهي بادرة تظهر لنا مدى اهتمام الدولة باكتشاف المواهب الشابة وإعدادها للمستقبل بشكل علمي مدروس.
وإذا كنا قد ذقنا حلاوة نجاح برنامج "دولة التلاوة"؛ فينبغي علينا أن نعمل على تكرار التجربة في الرياضة والعلوم، لاكتشاف مواهب لا تزال مدفونة من الرياضيين والعلماء المصريين؛ فلا شك أن الحمأ المسنون لهذا الوطن قادر على إعادة إنتاج أجيال كاملة من المبدعين والعباقرة.
***
اكتشاف مخبوءات الكنوز المصرية لا يحتاج إلى جهد كبير؛ فقط أن تمد كل الوزارات أيديها نحو القرى والنجوع لتستخرج دررًا ولآلئ لا مثيل لها في العالم، وهو ما يتطلب، في المقابل، من أصحاب المواهب السعي نحو المراكز الشبابية والتقديم في المسابقات الوطنية والدولية؛ وبفضل الجهود الدءوبة لوزارة الأوقاف سنشهد إبداعات جديدة في القريب العاجل، ليظل دائمًا الصوت المصري هو الأصل، وكل الأصوات الأخرى مجرد صدى له.



