تغير الفتوى والتيسير

محمود الامامي
محمود الامامي

يبقى علم الفقه بابًا للتيسير على المسلمين، فهو يراعي الظروف والأحوال؛ فتتغير الفتاوى بتغير تلك الظروف والأحوال، وبتغير الزمان والمكان. وهذا ما حدث مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد اجتهد في أمور كثيرة، منها ما ورد فيه نص، كما هو الحال في سهم المؤلفة قلوبهم في الزكاة، حيث منع إعطاء عباس بن مرداس، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وأبو سفيان بن حرب، وابنه معاوية من مصارف الزكاة.

يقول العقاد في كتابه حقائق الإسلام وأباطيل خصومه:

"ومن سوء الفهم أن يقال إن الفاروق خالف النص في هذه القضية، وإنما يقال إنه اجتهد في فهم النص كما ينبغي، وأنه بحث عن المؤلفة قلوبهم فلم يجدهم؛ لأن تأليف القلوب إنما يكون مع مصلحة للإسلام والمسلمين. فإن لم يكن تأليف لم يكن هناك مؤلفة يستحقون العطاء، ولو أن عيينة والأقرع وأصحابهما سئلوا يومئذ: أهم من المؤلفة قلوبهم يستحقون العطاء لأنهم ضعاف الإيمان؟ لما قبلوا أن يثبتوا في ديوان العطاء".

وتفسير ذلك أن الإسلام كثر عدد متبعيه، وصارت لهم قوة، ولا حاجة للمؤلفة قلوبهم، ومن أراد أن يؤمن فليؤمن. ولكن هذا المصرف من مصارف الزكاة يبقى موجودًا وقت الحاجة إليه، فلم يُلغِ عمر رضي الله عنه نصًا ولا نسخه، فهذا ليس باستطاعته، ولكنه اجتهد ورأى أنه لا حاجة لهؤلاء في زمنه.

كما أنه منع توزيع الأراضي التي فتحوها على المحاربين الفاتحين، ولم يسرِ على ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم بتوزيع هذه الأراضي على المحاربين الفاتحين. وكان ذلك اجتهادًا منه، لتبقى هذه الأراضي كما حدث في أرض السوداء في فتح فارس والعراق للمسلمين، وخاصة الأجيال القادمة، وحتى لا يختلف المحاربون حول المياه والسقاية فيها.

واستمر الاجتهاد مع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ويبقى كذلك إلى قيام الساعة، اجتهادات تراعي الواقع وتقدّر المتغيرات والمستجدات. ونذكر مثالًا لتغير الفتوى من قبل المفتي نفسه لتغير المكان والأحوال، ما قام به الإمام الشافعي رضي الله عنه، فقد كان له فقه في العراق، وعندما جاء إلى مصر كان له فقه آخر، لتغير الظروف والأحوال.