كتاب «تحفة الكِرام في أخبار الأهرام» للإمام جلال الدين السيوطي يعد أحد النصوص التراثية النادرة التي جمعت بين التاريخ والأسطورة والعلم والروحانية في تناول قصة بناء الأهرامات المصرية، حيث يستعرض فيه الإمام السيوطي خلاصة ما تناقلته المصادر القديمة من أقوال المؤرخين العرب والقبط واليونان، بأسلوب يجمع بين التدقيق العلمي والتأمل الميتافيزيقي في أسرار بناء الأهرامات.
فنجده يفتتح مؤلفه بحمد الله والصلاة على النبي محمد ﷺ، ثم يوضح أن ما جمعه من أخبار الأهرام ليس من باب القصص، بل من روايات موثقة عن مؤرخين سابقين، في مقدمتهم ابن عبد الحكم الذي نسب بناء الأهرام إلى شداد بن عاد، وإن كان يعترف بأنه لم يجد خبراً ثابتاً عند أهل مصر المعاصرين له. مستشهداً ببيت شعري قديم يعبّر عن حيرة العقول أمام عظمة الأهرام التي «حسرت عقول ذوي النهى واستصغرت لعظيمها الأحلام».
وفي سياق رسالته ينقل عن «جماعة من أهل التاريخ» أن باني الأهرام هو الملك سوريد بن سلهوق، الذي عاش قبل الطوفان بثلاثمائة عام. الذي رأى في منامه انقلاب الأرض وسقوط الكواكب، فجمع الكهنة وعددهم مائة وثلاثون، برئاسة الحكيم أفليمون، ففسروا رؤياه بأنها نذير طوفان شامل سيهلك فيه البشر.
وعلى الفور أمر سوريد عندها ببناء الأهرامات لتكون خزائن للعلوم والمعارف والطلسمات والأسرار، تحفظ ما أنتجه البشر من حكمة قبل فناء العالم.
استخدم في بنائها حجارة ضخمة من أسوان، شدّها بالرصاص والحديد، وجعل أبوابها تحت الأرض على عمق أربعين ذراعًا، وبلغ ارتفاع كل هرم مائتي ذراع ملكية (نحو خمسمائة ذراع حالية).
كما يورد السيوطي أن سوريد أمر بأن تُملأ الأهرامات بثرواتٍ وعلوم كتب الطب والهندسة والفلك والعقاقير، وعلوم الطلسمات، وصور الكواكب ودرجاتها، حتى لا تضيع علوم الأمم السابقة.
وجعل على كل هرم حارسًا له طلاسم قاتلة تفتك بمن يحاول اقتحامه. أما النقش المنسوب إلى سوريد فيقول: «من أتى بعدي وزعم أنه مثلي فليهدمها في ستمائة سنة، وقد علم أن الهدم أيسر من البناء».
ثم ينتقل بنا الإمام السيوطي إلى حادثة فتح الخليفة العباسي عبد الله المأمون لأحد الأهرام، فيروي أنه أمر بفتح مدخل فيه، رغم تحذير المصريين له باستحالة ذلك. استخدم المأمون النار والخل والحديد، وأنفق مالاً عظيمًا حتى تمكن من اختراق الحائط الذي بلغ عرضه عشرين ذراعًا.
وعندما انتهى العمل، وجدوا مطهرة من زبرجد أخضر فيها ألف دينار تساوي بالضبط ما أنفقه المأمون على عملية الفتح، وكأنها إشارة رمزية إلى عدالة القدر. ثم وجدوا داخل الهرم بئرًا وغرفًا فيها أموات بأكفانهم، وتمثالاً عليه درع من ذهب ويمتلك حجر ياقوت يضيء كضوء النهار، مكتوب عليه بقلم لا يعرفه أحد من البشر.
ولم تكن هذه هي المحاولة الوحيدة من خلفاء العصر الاسلامي وانما تبعها محاولة اخرى من الخليفة العباسي أحمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية في مصر كم فيروي عثور أحمد بن طولون أثناء حفره قرب الأهرام على قطعة مرجان منقوشة باليونانية تحوي أبيات شعر تشير إلى أن أسرار الأهرام ستنكشف في أواخر الزمان، بعد «ثمان وتسع واثنتين وأربع وسبعين من بعد المئين»، مما أوحى بتنبؤات غيبية غامضة عن مصيرها.
ويضيف السيوطي نقلاًعن مؤرخين مثل المسعودي والزمخشري وابن فضل الله العمري، الذين فسّروا الأهرام على أنها إما هياكل للكواكب السبعة، أو قبور ملوك وكهنة، أو ملجأ من الطوفان. بينما رأى البعض فيها معابد للصابئة يتقربون عندها بالذبائح والبخور، وزعم آخرون أن النبي إدريس عليه السلام (هرمس المثلث العظمة) هو من أشار ببنائها حفظًا للعلوم السماوية قبل الطوفان.
كما أورد وصفًا هندسيًا دقيقًا للأهرام، فكل هرم منها مربع القاعدة، مخروط الشكل، ارتفاعه ثلاثمائة وسبعة عشر ذراعًا، وضلع قاعدته أربعمائة وستون ذراعًا، دون استخدام ملاط بين الحجارة. كما يصف وجود أبواب خفية تدور بلولب، وسراديب تصل إلى سبعة بيوت كل منها على اسم كوكب من الكواكب السبعة، وبجانب كل بيت صنم من ذهب يحمل مفتاحه في فمه، لا يُفتح إلا بتلاوة نقوش معينة.
ثم يفرد السيوطي فقرات عن تمثال أبي الهول المجاور للهرم الأكبر، فيصفه بأنه صنم على هيئة راهب حبشي اللون، له طابع طلسم يمنع زحف الرمال عن المزارع. كما يذكر ما تناقله أهل مصر عن الروحانيين الموكلين بالأهرام مثل امرأة عارية تدور حول الهرم وقت العصر وغلام أمرد أصفر يحرس الآخر، وشيخ بثياب الرهبان يدور ليلاً بالبخور، مما يعكس إيمانًا راسخًا لدى القدماء بقداسة المكان وهيبته.
ويختتم السيوطي كتابه بأقوال عدد من المؤرخين عن مواضع الأهرام وعددها، فيذكر أن حولها كانت أربعمائة مدينة غربية مهدت لمصر القديمة، وأن عدد الأهرام الكلية بلغ ثمانية عشر هرمًا، ثلاثة منها في الجيزة. كما يشير إلى نقوش وكتابات وجدت في العصور الإسلامية الأولى.
ويختم الكتاب بمجموعة من القصائد التي تغنّت بعظمة الأهرام، مثل أشعار أبي الصلت الأندلسي وعمارة اليمني وابن الساعاتي وظافر الحداد، وكلها تعبر عن الرهبة الجمالية أمام بناء تحدّى الزمان والبشر، حتى قال القاضي الفاضل: «كل شيء يُخشى عليه من الدهر إلا الهرمان، فإنه يُخشى على الدهر منهما».



