من عظمة الإسلام أن أحكامه فيها الكثير من اليسر لمن أراد اليسر، ومن روعة الفقه الإسلامي أن فيه متسعًا للاختلاف وتعددًا لأوجه الاستنباط للقادرين على الاستنباط والمقدرين لقيمة وسنة الاختلاف الكونية.
هذا نوع من الخلاف العلمي الراقي وقع بين الإمام مالك بن أنس وتلميذه الإمام محمد بن إدريس الشافعي حول الرزق، هل له سبب أم هو عطاء لا يحتاج إلى سبب. فالإمام مالك يقول: إن الرزق منحة إلهية، فبمجرد التوكل الصحيح على الله يُرزق الإنسان، مستندًا إلى الحديث الشريف "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا". أما إمامنا الجليل الشافعي فيخالفه في ذلك، فيقول: لولا غدوها ورواحها ما رُزقت. فأراد التلميذ أن يثبت لأستاذه صحة قوله، فخرج من عنده مهمومًا يفكر، فوجد رجلًا كبيرًا يحمل كيسًا من البلح وهو ثقيل، فقال له: أحمله عنك يا عمّاه، وحمله عنه. فلما وصل إلى بيت الرجل، أعطاه الرجل بضع تمرات. هنا ثارت نفس الشافعي وقال: الآن أثبت ما أقول، فلولا أني حملته عنه ما أعطاني. وأسرع إلى أستاذه مالك ومعه التمرات ووضعها بين يديه وحكى له ما جرى. وهنا ابتسم الإمام مالك وأخذ تمرة ووضعها في فمه وقال له: وأنت سُقت إلي رزقي دونما تعب مني. فالإمامان الجليلان استنبطا من نفس الحديث حكمين مختلفين تمامًا، وهذا من سعة رحمة الله بالناس.
اتبع مذهب مالك رضي الله عنه وقل إن الرزق مكتوب ومقسوم وآت لا محالة دون جهد، وذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن الرزق لا يُنال إلا بالسعي والجهد. لكن هذا الخلاف وغيره الكثير لم يؤثر بأي صورة على إجلال التلميذ لأستاذه ولا اعتزاز الأستاذ بتلميذه. هكذا كانوا



