استقصاء المعنى وإفحام المعاند

د / محمد مختار جمعة  الأستاذ بجامعة الأزهر
د / محمد مختار جمعة الأستاذ بجامعة الأزهر

بقلم:  د / محمد مختار جمعة 
الأستاذ بجامعة الأزهر

 

بلاغة القرآن الكريم متعددة الوجوه والجوانب، سواء من ناحية ألفاظه وجمله وأساليبه أم من جهة معانيه، فلا يداني بلاغته أي نص آخر لا لفظا ولا معنى، فهو الذي يأتيك الحسن وتتدفق البلاغة من جميع جوانبه لفظا ومعنى.
ومن ذلك : 
١- اسلوب الاستقصاء، وهو استقصاء المعنى والإحاطة به بما لا يدع مجالا للزيادة عليه في بابه، ومنه قوله تعالى: "أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ"(البقرة: ٢٦٦)، فقد استقصى النص القرآني في هذه الآية الكريمة المعني بما لا يدع مجالا للزيادة عليه، فبعد أن قال سبحانه: "جنات من نخيل وأعناب" قال: "تجري من تحتها الأنهار" وتمم الوصف بقوله سبحانه: "له فيها من كل الثمرات"، فأتي بكل ما في الجنان من وجوه النعم والبهجة والحسن ليشتد المصاب بفقدها ، ثم قال سبحانه في جانب فاقد هذا النعيم :"وأصابه الكبر" ، بما يعني يأسه من الاستعاضة، ثم استقصى بما يؤكّد هذا اليأس من الاستعاضة بقوله سبحانه: "وله ذرية ضعفاء"، أي لا أمل في قدرتهم على الاستعاضة ولا في تعويضهم ما فقده أبوهم ولا حتى بعض ما فقده، ثم ذكر سبحانه استئصال هذه الجنة بالهلاك في أسرع وقت حيث قال سبحانه: "فأصابها إعصار فيه نار"، وهو ليس مجرد إعصار عادي بل فيه نار، وذلك أسرع وأقوى في إهلاكها، ثم تمم المعنى بقوله سبحانه: "فاحترقت"، وهذا أحسن استقصاء وأتمه، سواء في ذكر النعمة أم في ذكر إهلاكها وزوالها. 
٢- إفحام المعاند، ومنه قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" ( البقرة: ٢٥٨) ، فعندنا قال سيدنا إبراهيم عليه السلام للنمرود: "رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ"، قال النمرود متجبرا : "أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ"، ودعا برجل فقتله وآخر محكوم عليه بالإعدام فأطلقه، صارفا لفظي الإحياء والإماتة عن معناهما الحقيقي المراد إلى ما ادعاه هو إحياء وإماتة، وهنا انتقل سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى ما يقطع على النمرود حجته ومراوغته ويفحمه بالقول القاطع، فقال : "فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ". 
وفي هذا النص الشريف جانب آخر من البلاغة والبيان، وهو ما يعرف عند البلاغيين بأسلوب الحيدة والانتقال، أما الحيدة فهي صرف المخاطب اللفظ عن المعنى الذي أراده المتكلم إلى معنى آخر، فينتقل المخاطب إلى لفظ آخر أو استدلال آخر لايدع مجالا لمراوغة الخصم ويقطع حجته ، وهو ما يعرف بالانتقال. 
ومن نماذج الحيدة في كلام العرب قول الحجاج الثقفي لرجل مهددا إياه بالقتل: لأحملنك على الأدهم يريد السيف، فقال الرجل: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب صارفا اللفظ إلى الفرس، فقال الحجاج : أردت الحديد يعني السيف، فقال الرجل: لأن يكون حديدا أي سريعا خير من أن يكون بليدا، فصرف اللفظ إلى صفة الفرس أيضا، فقال الحجاج: قبح الله من لا أدب له، وأطلقه إعجابا بفصاحته قائلا: مثلك لا يقتل .
وللحديث بقية