د. أبو ليلة والعميد (3)

حازم عبده مدير تحرير اللواء الإسلامي
حازم عبده مدير تحرير اللواء الإسلامي

توقف الدكتور محمد أبو ليلة في كتابه قراءة جديدة في فكر طه حسين مع الشطر الأعظم من الاتهامات التي تعرض لها عميد الأدب العربي في مسيرته الفكرية الثرية والتي كانت محل نقاشات فكرية ساخنة على مدى أكثر من قرن من الزمان ومن تلك الاتهامات تشكيكه في القرآن الكريم وأنه كان معادياً للدعوة الإسلامية.
وفي ضوء دراسته المتعمقة لسبر أغوار هذا الاتهام خلص الدكتور أبو ليلة إلى القول جاذماً: لم يشك طه حسين أن القرآن من عند الله، وأنه معجز، وأنه هو الذي نقل العرب من رعاية الإبل والغنم إلى رعاية الشعوب والأمم بالرحمة والتسامح، وبالعلم والمعرفة ،و كان - رحمه الله - داعية إلى الله على طريقته وبأسلوبه، داعية إلى الإصلاح بكل جوانبه، فقد دعا إلى الإصلاح الاجتماعي، والإصلاح السياسي، ودعا إلى إصلاح اللغة والأدب والفن، وإلى إصلاح شكل الكتابة لتيسيرها على الطلاب، وتحبيبهم فيها.
كما دعا طه حسين بحسب دراسة الدكتور أبو ليلة إلى تطوير الخطاب الديني، وإلى مزيد من الحوار مع الغرب، وإلى مزيد من التواصل معه من موقع الندية، لا من موقع التقليد الأعمى. ولقد كانت له آراء يجهلها كثيرون منها تحريم التأمين على الحياة، وعدم الارتياح للزواج بالكتابيات، ووصف التخلي عن الزي القومي بأنه مهانة وضعف نفس، وغير ذلك، وكان كاتبنا يعتقد أن العقلية العربية والعقلية المسلمة لا تقل بأي حال عن العقلية الأوروبية، إلا أن أوروبا كانت ولا تزال تتعامل مع العرب والمسلمين للأسف على أنهم أقل شأناً منها، وعلى أنهم تابعون لها، وفي سبيل تعميق هذا الشعور في نفوس أبنائهم صوروا الإسلام على أنه دين عنف وجبرية، واستسلام، وتخلف، وغير ذلك مما يتنافى مع جوهر الإسلام.
وأوضح الدكتور أبو ليلة أنه بخصوص ما وقع فيه طه حسين من مسألة دعوى انتحال الشعر الجاهلي لأسباب دينية، فهو خطأ ينبغي ألا نتوقف عنده، لأن صاحبه تراجع عنه من خلال مجمل ما  ثبت من أقوال ومواقف دلت على تدينه الصحيح، وعلى عمق وعيه الديني واعتزازه بدينه و بقيمه الإسلامية الأصيلة. و إن ثوابت الدين عند طه حسين وشعوره الديني العميق لم يهتز واحد منها يوما ما، حتى أنه على الرغم مما أبداه من بعض الشك الفكري حرص على أن لا يمس عقيدته البتة. وقد أكد ذلك كله في كتاباته وأحاديثه الكثيرة عن الإسلام وعن اللغة العربية والتراث العربي، والحضارة العربية الإسلامية .
 ويشفع لطه حسين، على حد قول الدكتور أبو ليلة أنه كان ممتلئاً ثقة، وإيماناً بعظمة دينه، وتراثه، وبعمق الرسالة التي جاء بها الإسلام، لنقرأ له هذه الكلمات : ... ونحن إذا درسنا الحياة العقلية (عصر أبي العلاء لم نجد فنا من فنون العلم التي عرفها الأقدمون ولا ضرباً من ضروب الهزل والجد التي اشترك فيها الناس، إلا وقد أخذ المسلمون منه بحظ غير قليل، أخذوا منه بحظ موفور، أفاضوا عليه صبغتهم، وطبعوه بطابعهم، ولونوه بلونهم الخاص فليس ما يدل على أنه متكلف ومستعار، ولولا أن التاريخ نفسه يدلنا على أن المسلمين قد نقلوا فنون العلم، عن الأمم التي سبقتهم إلى الحضارة لخيل إلى الباحث أن العلم فيهم قديم.  
رحم الله مفكرنا الكبير الدكتور محمد أبو ليلة الذي لم يتردد كأزهري في أن يرد الاعتبار لعميد الأدب العربي، مدافعاً عنه وعما طرحه من فكر عميق، وإن كان البعض قد أساء فهمه في حينه، وأطلق سهامه نحو العميد وفكره، لقد كان الدكتور أبو ليلة -بحق- من العلماء الكبار الذين لم ينغلقوا على الدراسات الأزهرية، وإنما انفتح على النتاج الفكري العربي خارج دائرة الأزهر وتناولها النقد الموضوعي والتحليل العلمي العميق، فرحب بما اتسق مع الثقافة العربية الإسلامية ومثل إضافة حقيقية في معينها، ولم يتردد في نقد ورفض كل فكر هدام تسلل ضد هوية الأمة وثقافتها ودينها.