اشتبك الدكتور محمد أبوليلة في كتابه "قراءة جديدة في فكر طه حسين" مع ما أثير حول طه حسين من اتهامات مناقشاً و مفنداً ومدافعاً بعقلانية وموضوعية تحسب له ومن بين تلك الاتهامات أنه كان يساريًا أو شيوعياً، وبأنه كان موالياً للصهيونية العالمية، وذلك بسبب قبوله التعاون مع الإخوة هراري اليهود على إنشاء دار الكاتب المصري ومجلة الكاتب المصري التي عنيت بنشر أفكار طه حسين.
ويعلق أبوليلة بقوله: هذا لا يصح وحده أن يكون دليلاً على تأثر طه حسين بالصهيونية. ويكفى في رده على ذلك أنه كان مرشحا لنيل جائزة نوبل في الأدب عام ١٩٧٦ ، ولكن منعه منها الحملة المسعورة لبعض أساتذة اليهود فى السويد. وأيضاً بسبب المقالات التي بدأ ينشرها عام ١٩٤٦ المعذبون فى الأرض في مجلة الكاتب المصري، والتي ظهرت فيما بعد، في كتاب، ضمن سلسلة كتب للجميع.
وكان مما اتخذه خصوم العميد، علاقته بـ «سلامة موسى ومما ذكروه أن سلامه موسى كان من كتاب مجلة الكاتب المصري» التي كان يصدرها طه حسين والتى توقف صدورها في شهر مايو من عام ١٩٤٨ بسبب اندلاع الحرب الأولى بين العرب وإسرائيل، وفى توقف دار النشر والمجلة في هذا التوقيت بالذات فيه دليل من وجهة نظر حيادية - على عدم تعاطف طه حسين مع الأهداف الصهيونية.
وقد قيل إن طه صرح بتأييده للفلسطينيين، وكان إغلاق دار الكاتب المصرى بسبب هذا التأييد، وهذا هو الأمر الذي لا يحتاج إلى معاناة لإثباته فقد كان طه حسين وطنيا مصريا عربياً مسلماً، مهما بدت أطيافه أو ألوانه الفكرية متعددة ومتداخلة. بل إنه كان على الضد من سلامة موسى في دعوته إلى العامية، وموضوعات أخرى.
♦♦♦
ومن التهم التي وجهت إلى طه حسين كذلك أنه كان يمالئ أوروبا وبالذات فرنسا التي درس فيها وتزوج من أهلها، ويعلق الدكتور أبوليلة: أما اتهام طه حسين بأنه كان يمالئ الاستعمار فهو اتهام مردود لأنه قد هاجم بريطانيا وفرنسا.
ويخلص الدكتور أبو ليلة إلى القول: قد كان طه حسين أديبا وشاعرا وكاتباً، ومؤرخا ، وخطيبا، وعالم لغة ومنظرا وناقدا كما كان مصلحا وسياسيا. ولقد جمع في عقله الكبير بين التعليم الديني والتعليم المدنى التعليم الإسلامي والتعليم الغربي، بين القديم وبين الجديد، ولقد كان هذا المفكر عملياً فى منهجه، لا يكتفى بالكتابة والتنظير والتقعيد، بل كان يحاول بكل جهده وضع ما توصل إليه عقله واجتهاده موضع التطبيق .
ومع دعوة طه حسين المستمرة إلى التجديد والتحديث، فإنه لم ير قط أن التنوير عبارة عن تدمير لبنية المجتمع أو عدوان على قيمه وتقاليده، أو محاولة لطمس هويته، ومحو شخصيته، أو فناءها في الآخر الأوروبي. ولقد كان وعيه الديني حاضراً دائما، وكان يحترم القديم ويحترم العادات الطيبة ويحن إلى ماضيه، لم يتخل قط عن صلاته أو عن قراءة القرآن، وعن التوجه إلى الله بالدعاء، فقد كان يحمل القرآن معه فى كل أسفاره وكان القرآن له بمثابة المصدر العلمي والمعرفي والروحى الذى لا يغلق بابه دونه أبداً، أو يتحول عنه في أي مرحلة من مراحل حياته حتى مضى لسبيله.
وكان طه حسين كثيراً ما يدعو الله ويتوسل إليه قبل أن يخلد إلى فراشه وفي إيطاليا تكلم عن السلام فى الإسلام. وقد حج طه حسين، وطاف وسعى وقبل الحجر الأسود، وزار قبر الرسول الله، وبكى هناك وتحنن أمام قبر أعظم البشر صلوات الله وسلامه عليه .
وللحديث بقية



