عرفت الراحل د. محمد محمد أبو ليلة أزهرياً خالصاً صوفياً مخلصاً عالماً متبحراً أباً مرشداً صديقاً وفياً مثقفاً مستنيراً، جالس العقاد وخالط عميد الأدب العربي د. طه حسين، وكان من أصدقائه سكرتير طه حسين الراحل د. محمد الدسوقي، فلم يخاصم العميد على خلفية تمرده على الأزهر ومغادرته إلى الجامعة المصرية الأهلية، ثم دفاعه عن كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق وما أحدثته مؤلفاته من غضبة أزهرية ضده مثل كتابه "في الشعر الجاهلي"، وكتابه"في الأدب الجاهلي".
ذهب د. أبو ليلة ابن كلية أصول الدين، والحاصل على الدكتوراه من جامعة إكستر البريطانية، ومؤسسة قسم الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية، بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، بعيداً في موقفه تجاه عميد الأدب العربي، وكأنه أراد أن يرد له الاعتبار على طريقته، فبادر كأزهري عميق الفكر والثقافة بنشر كتاب رد فيه الاعتبار لطه حسين، حمل عنوان "قراءة جديدة في فكر طه حسين".
وصف أبو لية طه حسين بالمفكر المتميز بالمثابرة والقدرة على المناورة مع شيء من العناد في طبيعته ظل يلازمه وكتب يقول:«لم يكن من السهل على طه حسين أن يتراجع عن رأيه بسهولة أو بطريقة مباشرة، فلقد اتسم بالقلق»، ولا ضير في ذلك فالقلق عند المبدعين طاقة وحافز ولا عجب إذن في أنه كان يقبل على الكتابة، وينتج أكثر عندما يغلبه الهم وتتكاثر من حوله سهام النقاد وألسنة المادحين.
ولم يغفل أبو ليلة الظروف التي عاشها طه حسين فأشار إلى أن الزمن الصعب الذي عاشه وضعه في موقف هو أقرب إلى المأزق الذي كان عليه أن يتجاوزه، كما كان عليه أن يرضى أطرافاً كثيرة لم يجمعها فكر واحد أو هدف واحد، وأن يشق طريقه وسط تحديات ومغريات كثيرة، حيث وضعه كل هذا في موقف استدعى الخلاف حوله، والقسوة في الحكم عليه أحياناً، إذ كان البعض يثني عليه ويعجب به، والبعض الآخر يهاجمه ويشكك في كفاءته، بل ويطعن في دينه وولائه لعروبته وأمته.
كان كتاب د. أبو ليلة بمثابة دراسة موضوعية محايدة لفكر طه حسين و لمشروعه الحضاري، أبرز من خلالها جوانبه الإيجابية الكثيرة التى كانت نتاج عقلية عبقرية فذة- على حد وصفه-، وشخصية كبيرة مثابرة تغلبت على الظروف الخاصة والعامة، وأثبتت وجودها في كل موقف وضعت فيه، أو فرض عليها.
كما قدم أبو ليلة في الكتاب قراءة جديدة لأفكار هذا الكاتب الكبير في اللغة والثقافة، وبالأخص فيما زعمه بشأن انتحال الشعر الجاهلي، وعلاقة ذلك بالقرآن الكريم، وقد عد أبو ليلة ذلك من سقطات طه حسين العارضة، واختط أبو ليله لنفسه منهجاً بديعاً وهو يغوص في إنتاج العميد الفكري والأدبي مقدماً قراءته له كأزهري فقال: «ينبغي ألا تأخذنا عصبيتنا للدين، وهي عصبية محمودة، إلى إنكار ما برز فيه الرجل، فإن كل إنسان يؤخذ منه ويرد إلا رسول الله ﷺ». فطه حسين رجل توفرت له مؤهلات العظمة التي تجلت في نفسه، وفيما أبدع من علوم ومعارف، وفيما اتخذ من مواقف، وفيما استقبل من مديح أو تعرض له من هجوم، وينبغي ألا ننسى أن طه حسين صنيعة القرآن والإسلام والعروبة والأزهر. هذا ما ينبغي استحضاره عند الحكم له أو عليه . .
وقد أولى أبو ليلة أفكار طه حسين الإصلاحية عناية خاصة لما رأه فيها من أهمية في إبراز واجب الحفاظ على اللغة والهوية ضد تيار اللغة أو اللغات الأجنبية الذي يوشك أن يجرف جيلاً كاملاً، فعلى الرغم من حماسة طه حسين الشديدة للحضارة الغربية وتأثره الشديد بها فإنه نادى وبشدة بوجوب العمل على الحفاظ على الهوية المصرية وعلى الدين وعلى اللغة، كما نادى باستقلالية التفكير و بعدم التبعية المطلقة للغرب، وجعل من الواجب على الدولة أن تمنع تدريس اللغات الأجنبية في التعليم الأولي والمتوسط.
وللحديث بقية



