تحدث القرآن الكريم عن النوم ومفرداته ومرادفاته حديثا غاية فى الدقة والبلاغة والإعجاز استخدمت فيه كل مفردة في مكانها الذي لا يسد مسدها فيه غيرها، بحيث يقتضيها المقام والسياق دون سواها، ومن ذلك :
كلمة "سِنَةٌ" في قوله تعالى:"اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ" (البقرة:٢٥٥).
والسِّنَةُ أدنى من الإغفاءة التي تسبق النوم وتكون بمثابة مقدمته المؤذنة بدخوله، وقيل : هي مقدمة النعاس الذي هو أخف من النوم ويكون بمثابة مقدمته، فهي بمثابة مقدمة المقدمة للنوم، ولا يكون فيها غياب للإدراك، بخلاف النوم، وقد ذكرت في هذه الآية ولم تذكر في أي موضوع آخر من القرآن الكريم تنزيها للذات العلية عن توهم لحوق أي سِنة بها، وهو ما لا يكون في جانب البشر الذين يرد عليهم النوم بمختلف مراتبه.
وقُدِمَتْ السِّنَةُ على النوم لأنها تسبقه، فلا يلحقه سبحانه النوم ولا مقدماته، ولو اكتفى بذكر النوم دون السِّنَةِ لما أفاد النص نفيها، ولو اكتفى بذكر السِّنَةِ دون النوم لما كان النص قاطعا في نفي النوم الذي قد يأخذ صاحبه فجأة دون مقدمات، فاقتضى المقام نفي السِّنَةِ والنوم معا عن ذاته العلية.
كلمة النعاس في قوله تعالى: "إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ" (الأنفال: ١١).
والنعاس بداية النوم ومقدمته، وليس نوما عميقا، وقال بعضهم: النعاس يكون لإغفاءة العين دون غياب الإدراك بخلاف النوم، ومع ذلك فإن النعاس رغم خفته تعقبه إفاقة تجدد النشاط والحيوية، وهو ما يناسب مقام هذه الآية الكريمة التي نزلت في أهل بدر تهدئة لنفوسهم، فأصابهم نعاس خفيف مجرد إغفاءة أعقبتها إفاقة ويقظة، إذ النوم العميق لا يناسب حال المقاتلين ولا ساحة القتال التي تقتضي اليقظة والانتباه.
الهجوع: النوم بالليل خاصة وهو نوم خفيف وقد يكون اضجاعا أشبه بالاستراحة من غير نوم، وقيل هو نوم خفيف متقطع، ومنه قوله:"كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ " ( الذاريات: ١٧- ١٩).
أي أنهم لا ينامون من الليل إلا قليلا ، وفي الحديث الشريف : "أحبُّ الصَّلاةِ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ صلاةُ داودَ علَيهِ السَّلامُ كانَ يَنامُ نصفَ اللَّيلِ ويقومُ ثلُثَهُ ويَنامُ سُدُسَهُ"، وهو نوم متقطع ليس متصلا .
القيلولة وهي نوم الظهيرة، أو النوم في منتصف النهار أو وسطه، ومنه قوله تعالى:"وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ" ( الأعراف:٥،٤). أي: أتاهم الهلاك على غفلة وقت استراحتهم دون أن يحسبوا له حسابا أو يعدوا له عدة.
الرقاد، وهو النوم الطويل،ومنه قوله تعالى :"وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ" (الكهف: ١٨) ، وهو الذي يناسب حال أهل الكهف لطول مدة نومهم، حيث يقول الحق سبحانه:"وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا" (الكهف: ٢٥).
وللحديث بقية



