د. أسامة هاشم الحديدي
مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أنزلَ القرآنَ الكريمَ ليكونَ كتابَ هدايةٍ للبشريَّةِ، ونبراسًا لها فى حياتِها، ودعا الأمَّةِ أن تتدبَّرَ هذا الكتابَ الخالد المعجز؛ فهو كلامُ اللهِ المُنزَّلُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ، المُتعبَّدُ بتلاوتِه، المحفوظُ من التَّحريفِ. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. والهدايةُ إنَّما تتحقَّقُ بالقراءةِ الواعيةِ المصحوبةِ بالتدبُّرِ، والتَّأمُّلِ، والعملِ؛ ولذلك دعا اللهُ سبحانه عبادَه إلى تدبُّرِ كتابِه، فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].
والتدبُّرُ هو إعمالُ الفكرِ والقلبِ فى معاني الآياتِ، والتَّأمُّلُ فى أوامرِها ونواهيها، واستخراجُ العِبَرِ منها؛ حتى تتحوَّلَ التلاوةُ إلى منهجِ حياة.
وقد حرصَ الصحابةُ الكرامُ رضوانُ اللهِ عليهم على تدبُّرِ كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فكانوا لا ينتقلونَ من آيةٍ إلى غيرِها حتى يفهموا معانيَها، ويعملوا بما فيها؛ لأنَّهم أدركوا أنَّ المقصودَ من القرآنِ التدبُّرُ والهدايةُ، وليس مجرَّدَ كثرةِ القراءة.
وقد رغَّبَ النبيُّ ﷺ فى قراءةِ القرآنِ، وبيَّن فضلَها، فقال: «اقرؤوا القرآنَ؛ فإنَّه يأتي يومَ القيامةِ شفيعًا لأصحابِه» (رواه مسلم). وقال أيضًا: «خيرُكم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَه» (رواه البخاري). وروى مسلمٌ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا مرَّ بآيةِ رحمةٍ سألَ اللهَ، وإذا مرَّ بآيةِ عذابٍ استعاذَ باللهِ؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ قراءتَه كانت قائمةً على التدبُّرِ والتفاعلِ مع كلامِ الله.
اقرأ أيضا: حتى تبقى أنوارُه ساطعةً
ومن الأمورِ التي تُعينُ المسلمَ على تدبُّرِ القرآنِ الكريمِ ما يأتي:
1. إخلاصُ النِّيَّةِ للهِ تعالى، واستحضارُ أنَّ القراءةَ عبادةٌ يُقصدُ بها التقرُّبُ إلى الله.
2. القراءةُ بتأنٍّ، وعدمُ الاستعجالِ؛ فالترتيلُ يُساعدُ على فهمِ المعاني والتَّأمُّلِ فيها.
3. معرفةُ تفسيرِ الآياتِ من خلالِ كتبِ التفسيرِ الموثوقةِ؛ لفهمِ المقصودِ منها.
4. استحضارُ القلبِ، والابتعادُ عن كلِّ ما يشغلُ الذهنَ أثناءَ التلاوة.
5. تكرارُ الآياتِ التي تؤثِّرُ فى النفسِ، والتفكُّرُ فى معانيها.
6. تطبيقُ ما يتعلَّمُه المسلمُ من القرآنِ فى حياتِه اليوميَّةِ؛ لأنَّ العملَ بالقرآنِ يزيدُ فهمَه وتأثيرَه.
وللتدبُّرِ آثارٌ عظيمةٌ على الفردِ والمجتمعِ؛ فهو يورثُ خشيةَ اللهِ، ويقوِّي الإيمانَ، ويشرحُ الصدرَ، ويبعثُ الطمأنينةَ فى النفسِ. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. كما يُربِّي المسلمَ على الصدقِ، والأمانةِ، والصبرِ، والعدلِ، والرحمةِ، ويجعلُه أكثرَ وعيًا بمسؤوليَّتِه تجاهَ نفسِه، وأُسرتِه، ومجتمعِه.
وإنَّ الأمَّةَ الإسلاميَّةَ اليومَ أحوجُ ما تكونُ إلى العودةِ الصادقةِ إلى كتابِ ربِّها، قراءةً، وفهمًا، وتطبيقًا؛ فبه تصلحُ العقائدُ، وتستقيمُ الأخلاقُ، وتتوحَّدُ الصفوفُ، وتنهضُ الأممُ. فالقرآنُ ليس كتابَ تلاوةٍ فحسبُ، بل هو كتابُ هدايةٍ وتدبُّرٍ، ومنه يكونُ الإصلاحُ، والبناءُ، والحضارة.
وفى الختامِ، فإنَّ قراءةَ القرآنِ بتدبُّرٍ من أجلِّ العباداتِ، وأعظمِ القرباتِ، وهي طريقُ السعادةِ فى الدنيا والآخرةِ. فالمؤمنُ الحقُّ لا يكتفى بتحريكِ لسانِه بالآياتِ، بل يجعلُ قلبَه حاضرًا، وعقلَه متأمِّلًا، وجوارحَه عاملةً بما أمرَ اللهُ به. وإذا تحقَّقَ ذلك، أصبحَ القرآنُ نورًا يهدي صاحبَه، ورحمةً تسكنُ بها نفسُه، وشفيعًا له يومَ القيامةِ؛ مصداقًا لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].
ونسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَ القرآنَ العظيمَ ربيعَ قلوبِنا، ونورَ صدورِنا، وجلاءَ أحزانِنا، وأن يرزقَنا تلاوتَه آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ حقَّ تلاوتِه، وأن يجعلَنا من أهلِه وخاصَّتِه.
وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على سيِّدِنا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم.



