بقلم محمد صلاح
جاء القرآن الكريم بمنهج متكامل في التعامل مع الناس على اختلاف طبائعهم ومستوياتهم الفكرية والأخلاقية، وكان من بين الفئات التي أولى بها اهتمامًا خاصًا «الجاهلون»، ولم يكن المقصود بالجهل في القرآن مجرد قلة العلم، بل يشمل أيضًا التسرع، والسفه، وسوء التصرف، والانفعال الذي يخرج بصاحبه عن الحكمة والرشد، ولذلك لم يكن علاج القرآن للجهل قائمًا على الإهانة أو الانتقام، وإنما على الحكمة، والصبر، والإصلاح.
ويضع القرآن أول قاعدة في التعامل مع الجاهل بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، فهذه الآية تجمع أصول الأخلاق؛ إذ تدعو إلى العفو، والأمر بكل خير، ثم الإعراض عن الجاهل إذا تحولت المناقشة إلى جدال لا ثمرة منه، والإعراض هنا ليس ضعفًا، بل هو سمو في الأخلاق وحماية للنفس من الانجرار إلى الخصومات.
اقرأ أيضا:الأمم تُبنى بالصدق والأمانة
وفي وصف عباد الرحمن، يبين القرآن صورة راقية في التعامل مع أهل الجهل، فيقول تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، فالمؤمن الحق لا يقابل الإساءة بالإساءة، ولا يرد السفه بمثله، بل يحافظ على وقاره، ويختار الكلمة الطيبة أو ينصرف عن الجدال.
ولم يكتف القرآن بالدعوة إلى الصبر، بل وجه إلى أن تكون دعوة الجاهل إلى الحق قائمة على الرفق واللين، فقال تعالى في سورة النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فالحكمة هي الطريق الأقرب إلى القلوب، وهي التي تفتح أبواب الفهم والهداية، بعيدًا عن التعنيف أو التشهير.
كما يفتح القرآن باب الأمل أمام من وقع في الخطأ بسبب الجهل، فيقول سبحانه في سورة النساء: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، فالإنسان قد يخطئ أو يزل، لكن رحمة الله واسعة لمن يرجع إليه صادقًا، مما يؤكد أن الجهل ليس حكمًا دائمًا على الإنسان، بل حالة يمكن تجاوزها بالعلم والتوبة.
في المقابل، يحذر القرآن المؤمن من الوقوع في صفات الجاهلين، فجاء على لسان موسى عليه السلام في سورة البقرة: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، كما قال سبحانه في سورة الأنعام: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، وهذه التوجيهات تؤكد أن المسلم مطالب بضبط انفعالاته، وتحكيم العقل، والالتزام بالأدب حتى في أوقات الخلاف.
فمنهج القرآن في التعامل مع الجاهل يرسخ قيم التسامح، والحكمة، والصبر، وحسن الخلق، ويجعل الهدف من الحوار هو الإصلاح والهداية، لا الانتصار للنفس أو إهانة الآخرين.
ففي زمن كثرت فيه الخصومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تبدو هذه التوجيهات القرآنية أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ لأنها تقدم نموذجًا حضاريًا في إدارة الخلاف، يقوم على الاحترام، وكف الأذى، والدعوة إلى الخير، ليظل القرآن الكريم مصدرًا للهداية وبناء الإنسان والمجتمع.



